تسعى شركات الطاقة النووية لجعل الجيل القادم من المفاعلات أكثر أمانا، وتعتبر المفاعلات المبردة بالصوديوم أو الرصاص من أبرز الابتكارات لتحسين سلامة وكفاءة المفاعل لأن الرصاص السائل يتميز بدرجة انصهار منخفضة نسبيا وامتصاص ضعيف للنيوترونات، كما أنه يعمل كعاكس نيوتروني يعيد النيوترونات إلى قلب المفاعل، ويسمح بتبريد المفاعلات بصورة طبيعية عبر الحمل الحراري دون أي تدخل بشري في حالات الطوارئ.
تقوم الشركة الفرنسية نيوكليو Newcleo بتطوير مفاعلات سريعة مبردة بالرصاص، وقد أعلنت عن التركيب الناجح للوعاء الرئيسي لمشروع بريكورسر وهو عبارة عن نموذج لاختبار تكنولوجيا المفاعلات السريعة المبردة بالرصاص،وهو نظام غير نووي بقدرة 10 ميجاوات يبلغ وزن وعاء النقل فيه حوالي 20 طنا وتصل كتلته الإجمالية إلى 155 طنا عند امتلائه بالرصاص والمكونات الداخلية. وبهذا تتقدم الشركة نحو إكمال بنائه هذا العام واختبار توليده للكهرباء.
يتكون هذا المفاعل، الذي يبنى مركز أبحاث إينيا براسيموني في إيطاليا، من خزان الصهر المخصص لتسييل سبائك الرصاص ووعاء التخزين الذي يحافظ على الرصاص في حالته المنصهرة بالإضافة إلى وعاء النقل لتبادل السائل المعدني مع وعاء المفاعل الرئيسي. ومن اللافت أن جميع هذه المكونات باستثناء التوربين تم تصنيعها داخليا عبر الشركات التابعة لمجموعة نيوكليو مما يعكس قدرات التكامل الرأسي العالية للشركة في مجالات الهندسة والتصنيع والنقل.
يكمن الفرق الجوهري بين نموذج بريكورسر والمفاعلات الحقيقية التي تنوي الشركة بناءها في طبيعة مصدر الحرارة. فنموذج بريكورسر هو نظام غير نووي بالكامل يعتمد على السخانات الكهربائية لتوليد الحرارة ومحاكاة سلوك الوقود النووي الحقيقي. يسمح هذا النهج للمهندسين باختبار الديناميكا الحرارية المعقدة ودورة تدفق الرصاص المنصهر وتقييم أداء المكونات في بيئة آمنة تماما وخالية من المواد المشعة. تهدف الشركة من خلال هذا النموذج إلى جمع البيانات اللازمة للتحقق من كفاءة التصميم قبل الانتقال إلى مرحلة التشغيل النووي الفعلي وتكبد التكاليف الباهظة.
وتخطط الشركة لبناء مفاعلات بقدرة 30 ميجاوات في فرنسا بالإضافة إلى التصميم التجاري الأكبر بقدرة 200 ميجاوات. سيكون المفاعل ذو القدرة 30 ميجاوات منشأة نووية فعلية لا تقتصر وظيفتها على توليد الكهرباء فحسب بل ستمتد لتشمل منصة لإنتاج النظائر الطبية المشعة وتوفير خدمات بحثية متقدمة. يختلف المفاعل الحقيقي عن النموذج الاختباري في اعتماده الكلي على الانشطار النووي الفعلي لتوليد الحرارة وحجمه الأكبر وقدرته على العمل كمنشأة إنتاجية متكاملة.
وصل مشروع بريكورسر إلى مراحله النهائية ومن المقرر الانتهاء من بنائه بالكامل خلال العام الحالي ليكون من أوائل المنشآت في العالم التي تقدم عرضا شاملا لوظائف المفاعلات المبردة بالرصاص بما في ذلك توليد الكهرباء عبر توربين متصل بالنظام.
في المقابل يسير العمل على المفاعل الحقيقي بقدرة 30 ميجاوات بخطى ثابتة حيث تعمل الشركة على استكمال إجراءات الترخيص والتصميم وتستهدف بدء التشغيل الفعلي له بحلول عام 2031 ليمثل خطوة حاسمة نحو الاستخدام التجاري الواسع للطاقة النووية المستدامة.