حققت الصين خطوة هندسية متقدمة في مسار تطوير طاقة الاندماج النووي، حيث أتم باحثون في معهد فيزياء البلازما التابع للأكاديمية الصينية للعلوم اختبارات الأداء الكامل لأكبر نظام مغناطيسي فائق التوصيل في العالم. يمثل هذا الإنجاز مرحلة حاسمة نحو الهدف الأكبر المتمثل في بناء مفاعل اندماج نووي قادر على توليد الكهرباء على نطاق تجاري أو شبه تجاري.
يُعد المفاعل من نوع توكاماك، ويعتمد تصميمه على نظامين مغناطيسيين فائقَي التوصيل، هما: مغناطيس المجال الحلقي والملف اللولبي المركزي. يقوم المغناطيسان معاً بالتحكم بالبلازما داخل غرفة المفاعل وحصرها لمنعها من ملامسة الجدران؛ فالبلازما هي غاز متأين مكون من إلكترونات وأيونات تصل حرارته إلى أكثر من 100 مليون درجة مئوية. نظراً لعدم وجود أي مادة يمكنها تحمل هذه الحرارة القصوى، تعمل هذه المغانط على توليد قفص مغناطيسي يحصر البلازما ويبقيها معلقة في الفراغ، مما يمنعها تماماً من ملامسة جدران المفاعل الداخلية. يأخذ المغناطيس الحلقي شكل حرف (D) ويغلف الغرفة المفرغة لتوليد مجال مغناطيسي أفقي، بينما يأخذ المغناطيس المركزي شكل أسطوانة تتمركز في منتصف الحلقة، ويعمل بنبضات متغيرة لتوليد تيار كهربائي داخل البلازما، مما ينتج مجالاً مغناطيسياً رأسياً يندمج مع المجال الحلقي لتشكيل حقل محكم يحبس الجسيمات بدقة.
يتميز المغناطيس الحلقي الذي تم اختباره بأبعاد ضخمة، حيث يبلغ طوله 21 متراً، وعرضه 12 متراً، وارتفاعه 3.3 أمتار، ويزن 582 طناً. وهو أضخم بكثير مقارنة بمكونات مفاعل توكاماك التجريبي المتقدم فائق التوصيل (EAST) الحالي، والمعروف باسم "الشمس الاصطناعية" الصينية. كما يتفوق هذا المغناطيس حجماً وقدرة على المكونات المماثلة المصممة للمفاعل النووي الحراري التجريبي الدولي (ITER) الجاري بناؤه في فرنسا، حيث يبلغ حجم المغناطيس الصيني 1.3 ضعف نظيره في مشروع إيتر، ويمتلك ثلاثة أضعاف قدرته على تخزين الطاقة المغناطيسية.
لم يتم إجراء هذه الاختبارات داخل المفاعل النهائي، بل تم بناء المكونات واختبارها داخل المرفق البحثي الشامل لتكنولوجيا الاندماج (CRAFT) في مدينة خفي الصينية. الغرض من هذه المنشأة هو إخضاع المغانط لظروف تشغيلية قاسية تحاكي بيئة المفاعل الفعلي للتحقق من كفاءة المواد والتصميم. بعد اجتياز هذه الاختبارات بنجاح، سيتم نقل هذه المكونات وتقنياتها لتركيبها في الموقع المخصص لمفاعل الاختبار الهندسي للاندماج الصيني (CFETR) المستقبلي، والذي يتم تطويره في المدينة ذاتها ليكون المحطة القادمة قبل بناء مفاعلات الطاقة التجارية.
تكمن الأهمية الأساسية لمفاعلات الاندماج في قدرتها على توفير مصدر طاقة مستقبلي ونظيف. تعتمد هذه التقنية على محاكاة التفاعلات النووية التي تحدث في قلب الشمس، حيث تندمج نوى الذرات الخفيفة، مثل الهيدروجين، لتكوين ذرات أثقل، مما يؤدي إلى إطلاق كميات هائلة من الطاقة. وخلافاً للانشطار النووي، لا ينتج عن عملية الاندماج نفايات مشعة طويلة الأمد أو انبعاثات كربونية، مما يجعلها حلاً علمياً وهندسياً لتلبية الطلب العالمي المستقبلي على الطاقة دون الإضرار بالبيئة.