تعتبر التوصيلات الكهربائية النحاسية عصب الرقائق الدقيقة الحديثة إذ تربط بين مليارات الترانزستورات التي تشغل كمبيوتراتنا وأجهزتنا الإلكترونية. ومع التطور التكنولوجي المستمر وتصغير حجم المكونات إلى مقياس النانو، يواجه النحاس مشكلة جوهرية تتمثل في زيادة المقاومة الكهربائية. ويعود سبب هذا الفشل إلى أن إلكترونات النحاس تتدفق داخل كتلته، وعند تقليص حجم السلك إلى أبعاد نانوية، تبدأ هذه الإلكترونات بالاصطدام بالأسطح وتتشتت باستمرار في اتجاهات مختلفة، مما يعيق حركتها ويقلل من كفاءتها وتوصيلها للكهرباء.
للتغلب على هذه المعضلة، كشفت دراسة أجراها باحثون في جامعة كورنيل ونُشرت في مجلة ساينس عن بديل واعد يتمثل في أشباه المعادن الطوبولوجية، وتحديدا مادة كمومية تعرف باسم زرنيخيد النيوبيوم. تتفوق هذه المادة على النحاس بفضل قدرتها على توجيه إلكترونات إضافية للتدفق بسرعة فائقة على سطحها الخارجي دون أن تتشتت بسهولة كالإلكترونات الداخلية. وبشكل غير بديهي، تزداد موصلية شبه المعدن هذا كلما أصبح السلك أرفع، مما يجعله مثاليا لتعزيز الأداء الإلكتروني في الأبعاد الدقيقة، بالإضافة إلى تميزه بالمتانة والثبات في درجة حرارة الغرفة ومقاومته للأكسدة مقارنة بالمواد الكمومية الأخرى التي غالبا ما تكون هشة.
يتطلب تطبيق هذا الحل وتصنيعه تجاوز طرق الترسيب والنمو الكيميائي التقليدية التي تفتقر إلى الدقة في التحكم بأبعاد وشكل الأسلاك. لذلك، يتم الاعتماد على تقنية التشكيل النانوي الميكانيكي الحراري، حيث تدمج المادة الخام وتوضع داخل قالب مسامي من أكسيد الألومنيوم، ثم تعرض لضغط ودرجات حرارة عالية لعدة ساعات. بعد ذلك، يزال القالب كيميائيا للحصول على أسلاك نانوية أحادية البلورة عالية الجودة بأقطار دقيقة جدا تصل إلى عشرة نانومترات، ليتم ترسيبها لاحقا على رقائق السيليكون. تتميز هذه العملية بسرعتها الفائقة مقارنة بالطرق القديمة، مما يسرع وتيرة فحص وتطوير مواد جديدة بشكل مضاعف.
على الرغم من هذه الخصائص الثورية، يواجه استخدام زرنيخيد النيوبيوم عائقا كبيرا يتمثل في سمية عنصر الزرنيخ، مما يحد من إمكانية اعتماده كبديل تجاري وعملي مباشر للنحاس في الأجهزة اليومية. ومع ذلك، يفتح هذا الإنجاز آفاقا واسعة في مجال علوم المواد، حيث يمثل إثباتا عمليا قويا لمفهوم استخدام أشباه المعادن الطوبولوجية في الأنظمة الإلكترونية.
يؤكد هذا النجاح أن هذه المواد قادرة على الانتقال من مجرد نماذج فيزيائية نظرية إلى تطبيقات هندسية واقعية يمكن أن تقود مستقبل صناعة الرقائق الدقيقة لتجاوز القيود المادية للنحاس.