ما الصاروخ الذي استخدمه اليمنيون لإسقاط مقاتلة إف-15؟
نشر الإعلام الحربي التابع لأنصار الله في اليمن مقاطع فيديو تُظهر رصد وإصابة مقاتلة سعودية من طراز F-15 فوق محافظة مأرب. وتُظهر اللقطات الطائرة أثناء محاولتها تفادي التهديد بالمناورة وإطلاق وسائل دفاعية مضادة، إلا أن طبيعة ما أُطلق منها ليست واضحة تماماً، وقد تكون شعلات حرارية أو شرائح معدنية (Chaff)، وانتهت العملية بإصابة الطائرة.
وتُظهر المقاطع في الوقت نفسه استخدام منظومة رصد وتتبع كهروبصرية/حرارية تعتمد على التصوير الحراري بالأشعة تحت الحمراء (FLIR). وهذه نقطة مهمة في فهم الاشتباك، لأن الرصد الحراري يعمل بصورة سلبية؛ فهو يستقبل الإشعاع الحراري الصادر عن الطائرة ولا يحتاج إلى بث موجات يمكن للطائرة التقاطها باعتبارها إشارة رادارية. وبذلك يمكن اكتشاف الطائرة وتتبعها من دون أن يكون مستشعر الرصد نفسه مصدراً لانبعاث راداري يكشف موقعه. لكن ذلك لا يعني أن الصاروخ الذي أُطلق كان حرارياً بالضرورة.
وبناءً على طبيعة الاشتباك وما يظهر في الفيديو، توجد ثلاثة أنماط رئيسية يمكن أن يكون الصاروخ قد اعتمد عليها في التوجيه: التوجيه الحراري السلبي، والتوجيه الراداري شبه النشط، والتوجيه الراداري النشط.
أولاً: التوجيه الحراري السلبي
في هذا السيناريو يكون الصاروخ مزوداً بباحث يعمل بالأشعة تحت الحمراء ويتتبع البصمة الحرارية للطائرة، وخصوصاً منطقة المحركات والعادم. ويمتلك أنصار الله سوابق في استخدام صواريخ جو-جو محولة إلى صواريخ أرض-جو، من بينها ثاقب-1 المرتبط بـ R-73E (قصير المدى)، وثاقب-2 المرتبط بـ R-27T (متوسط المدى)، وكلاهما يستخدم توجيهاً حرارياً.
وفي هذا السيناريو، إذا كانت الطائرة قد أطلقت شعلات حرارية، فهذا يتوافق مع مواجهة تهديد حراري. أما عدم تسببها في تغيير مسار الصاروخ فقد يكون بسبب تأخر إطلاقها أو بسبب زاوية الاقتراب من الطائرة التي جعلتها أقل تأثيراً، مع احتمال وجود تعديلات محلية على الباحث أو منظومة معالجة الإشارة لتقليل تأثير التشويش الذي قد تسببه الشعلات الحرارية، وهو ما قد يتوافق مع وصف أنصار الله للصاروخ بأنه محلي الصنع.
ثانياً: التوجيه الراداري شبه النشط
في هذا السيناريو يكون الصاروخ مزوداً بباحث راداري، لكن راداراً أرضياً يقوم بإضاءة الطائرة، بينما يستقبل الباحث الإشارات المرتدة عنها ويوجه الصاروخ نحوها. ومن الأسلحة المرتبطة بهذه الفئة فاطر-1 (المرتبط بصاروخ 3M9 المستخدم في منظومة Kub/SA-6)، إضافة إلى ثاقب-3 (المرتبط بصاروخ R-27R السوفيتي ذي التوجيه الراداري شبه النشط). كما تندرج صواريخ مثل برق-1 وبرق-2 ضمن فئة الصواريخ الموجهة رادارياً والمطورة عن عوائل صواريخ دفاع جوي مخصصة.
إذا كانت الطائرة قد أطلقت شرائح معدنية (Chaff)، فإن ذلك يتوافق مع وجود تهديد راداري، لأن الـ Chaff يستخدم ليعكس موجات الرادار التي يمكن أن تربك عملية تتبع الهدف. وفي هذه الحالة يمكن أن تكون منظومة الرصد الحراري قد تولت اكتشاف الطائرة وتتبعها بصورة سلبية، بينما تولت منظومة رادارية أخرى عملية الاشتباك والتوجيه في اللحظات الأخيرة. وهذا تكتيك يتبعه أنصار الله؛ إذ يقومون بمراقبة الطائرات حرارياً، وعند اقترابها يمكن تشغيل الرادارات لفترة قصيرة جداً وإطلاق الصواريخ، بحيث لا يتم كشف الانبعاث الراداري قبل الإطلاق.
ثالثاً: التوجيه الراداري النشط
في هذا السيناريو يحمل الصاروخ نفسه باحثاً رادارياً مستقلاً في رأسه، ويمكن لمنظومة الإطلاق أن تزوده في البداية ببيانات عن موقع الهدف ومساره، ثم يتولى الباحث الراداري الموجود على الصاروخ اكتشاف الهدف وتتبعه وتوجيه الصاروخ نحوه في المرحلة النهائية دون الحاجة لاستمرار إضاءة الهدف من رادار أرضي. ورغم أن هذه التقنية معقدة ونادرة الاستخدام في الصواريخ المعدلة محلياً، إلا أن احتمال توفر صواريخ حديثة تحاكي منظومات جو-جو مثل R-77 يبقى فرضية قائمة.
إذا كانت الطائرة قد أطلقت الـ Chaff فعلاً، فإن وجوده ينسجم مع مواجهة صاروخ راداري، لكنه لا يكفي وحده لتحديد ما إذا كان الصاروخ نشطاً أو شبه نشط. وفي المقابل، إذا كانت الوسيلة المستخدمة شعلات حرارية، فإن ذلك ينسجم أكثر مع احتمال وجود صاروخ حراري، لكنه لا يستبعد الصاروخ الراداري، لأن الطيار قد يستخدم وسائل دفاعية متعددة تلقائياً أثناء الاشتباك أو استجابةً لتحذير لا يحدد بدقة نوع الصاروخ القادم.
وهكذا، لا يمكن حسم نوع الصاروخ من الفيديو وحده إن كان حرارياً أم رادارياً، لكن الترجيح يتجه نحو الحراري؛ فالأرجح أن الاشتباك جرى من مسافة قريبة إلى متوسطة. وهنا يكون الصاروخ الموجه حرارياً (مثل ثاقب-1 أو ثاقب-2) هو الفرضية الأقوى والأكثر ملاءمة لمسرح العمليات في مأرب، حيث كانت المقاتلة تنفذ مهام دعم جوي قريب للقوات البرية، مما يجعل مسارها ووجودها متوقعين مسبقاً، ويسمح بتمشيط النطاق وتوجيه الرأس الحراري نحوها بدقة.
أما إذا جرى الاشتباك من مسافة بعيدة تفوق النطاق البصري والكهروبصري للباحث الحراري، أو في ظروف جوية معقدة كوجود سحب كثيفة أو طيران المقاتلة على ارتفاعات شاهقة تُضعف بصمتها الحرارية، فإن الصاروخ الموجه رادارياً — سواء بتوجيه شبه نشط مثل فاطر-1 وثاقب-3 أو بتوجيه نشط — يصبح الاحتمال التقني الأكثر منطقية.