البصمة الكربونية: ما هي وبماذا تُفيد؟

بقلم:   جاد طرابيشي           |  Jan. 18, 2026

carboonfootprint

عندما تستخدم أي جهاز أو تقود سيارة، تنطلق غازات دفيئة في الجو تساهم بشكل مباشر في ظاهرة الاحتباس الحراري التي ترفع حرارة الأرض؛ ويعد غاز ثاني أكسيد الكربون المسبب الرئيسي والناتج الأكثر شيوعاً عن أنشطتنا الصناعية والتجارية وحتى الشخصية، ومن هنا جاءت تسمية "البصمة الكربونية" لتكون تعبيراً عن كمية الكربون التي ينتجها نشاط أو جهاز أو مصنع معين، وتُقاس عادة بالكيلوغرام أو الطن. ويُعتبر هذا القياس الركيزة الأساسية والضرورية لتقدير حجم التلوث البيئي، إذ لا يمكن معالجة أي مشكلة بنجاح دون القدرة على قياس أبعادها بدقة أولاً، فما لا يمكن قياسه لا يمكن إدارته أو تقليله.

لكن مفهوم هذه البصمة لا يقتصر على الكربون وحده، فهناك غازات أخرى تنطلق وتفوق الكربون في قدرتها على حبس الحرارة، مثل غاز الميثان الناتج عن النفايات والزراعة، أو أكسيد النيتروز المنبعث من العمليات الصناعية. ولتبسيط الأمر وتوحيد الحسابات، ابتكر الخبراء وحدة قياس عالمية تسمى "مكافئ ثاني أكسيد الكربون" (CO2​e)؛ حيث يتم تحويل تأثير أي غاز دفيء آخر إلى ما يعادله من تأثير الكربون بناءً على أثره على المناخ. فعلى سبيل المثال، إذا كان غاز الميثان أقوى من الكربون بـ 25 مرة في حبس الحرارة، يتم احتساب كل كيلوغرام منه وكأنه 25 كيلوغراماً من الكربون، وبذلك نحصل في النهاية على رقم واحد شامل يعبر عن "البصمة الكلية" لهذا النشاط أو المنتج بلغة حسابية موحدة.

وإذا أردنا فهم كيفية تطبيق هذا القياس على أرض الواقع، يمكننا النظر إلى الهاتف المحمول الذي تمسكه بيدك؛ فبصمته الكربونية لا تقتصر على الكهرباء التي يستهلكها أثناء الشحن فحسب، بل تبدأ من لحظة استخراج المعادن وتصنيع الدوائر الإلكترونية المعقدة، ثم شحنه عبر الطائرات أو السفن وصولاً إليك، وصولاً إلى عملية التخلص منه وإعادة تدويره. هذه الرحلة الطويلة تُعرف بـ "دورة الحياة"، والمفارقة هنا أن معظم بصمة الهاتف الكربونية تتركز في مرحلة التصنيع قبل أن يصل إلى يدك، مما يعني أن استبدال الهاتف سنوياً يرفع بصمتك الكربونية بشكل هائل بسبب كثافة عمليات الإنتاج وليس بسبب استهلاك الطاقة اليومي.

أما في حالة السيارة، فالأمر يختلف تماماً ويظهر تباين في توزيع الانبعاثات؛ فبينما تتركز بصمة الهاتف في تصنيعه، نجد أن الجزء الأكبر من بصمة السيارة التي تعمل بالوقود التقليدي يكمن في مرحلة التشغيل وحرق الوقود في المحرك على مدار سنوات استخدامها، حيث يطلق كل كيلومتر تقطعه كمية محددة من الغرامات الكربونية.

الغاية الأساسية من ابتكار هذا المفهوم هو توفير أداة محاسبية بيئية تمكن الدول والشركات من رصد وتحليل مصادر التلوث الرئيسية، وتحديد القطاعات التي تحتاج إلى تطوير تكنولوجي عاجل، مثل الانتقال إلى الطاقة النووية النظيفة أو الهيدروجين، كما أنها تساعد المستهلك على اتخاذ قرارات شرائية واعية بناءً على ملصقات الكربون.

ويهدف هذا النظام القياسي في نهايته إلى رسم خريطة طريق واضحة للوصول إلى ما يعرف بـ "الحياد الكربوني"، و هو حالة من التوازن الدقيق حيث يتم تعويض كل غرام من الانبعاثات الدفيئة التي نطلقها في الجو بكمية مساوية تماماً يتم امتصاصها عبر الطبيعة أو سحبها بواسطة التكنولوجيا، مما يؤدي في المحصلة إلى صفر صافي من الانبعاثات الجديدة، وهو الضمان الوحيد لاستقرار مناخ الكوكب وحماية مستقبل الأجيال القادمة.



مشاركة