أميركا تمنح أول ترخيص لمفاعل اندماج نووي من نوع الستيلاراتور
بدأت ولاية تينيسي مرحلة جديدة في تنظيم مفاعلات الاندماج النووي بعد منح أول ترخيص من نوعه لشركة تايب ون إنرجي (Type One Energy) لبناء وتشغيل مفاعل اندماجي في موقع بول ران. يمثّل هذا الترخيص أول تطبيق عملي لإطار تنظيمي جديد وضعته الولاية بعد أن أحالت اللجنة التنظيمية النووية الأمريكية مسؤولية تنظيم الاندماج إلى الولايات، وبذلك أصبحت تينيسي أول ولاية تعتمد مساراً رسمياً لبناء محطة اندماجية، في خطوة تؤسس لانتقال الاندماج من المختبرات إلى البنية التحتية للطاقة.
تبدأ الشركة أولاً بتنفيذ المرحلة الأولى من مشروعها عبر إنشاء منشأة إنفنتي 1 (Infinity One) في موقع بول ران، وهي منصة هندسية للتحقق من التصميم وتطوير القوى العاملة واختبار التقنيات التي ستستخدم لاحقاً في محطة الطاقة الأكبر. هذا النموذج الأولي سيعمل كجهاز ستيلاراتور كامل يعتمد على مغناطيسات فائقة التوصيل عالية الحرارة، وسيكون جاهزاً للتشغيل في عام 2029. ويُعد إنفنتي 1 خطوة أساسية قبل الانتقال إلى بناء محطة إنفنتي 2 (Infinity Two) التجارية، إذ يتيح اختبار هندسة الملفات الملتفة غير الخطية، والتحقق من أداء البلازما، وتقييم أنظمة الصيانة والتشغيل في بيئة واقعية.
أما إنفنتي 2 فهي محطة اندماجية بقدرة 400 ميجاوات كهربائي، تعتمد على تفاعل الديوتيريوم–تريتيوم وتنتج نحو 800 ميجاوات من طاقة الاندماج. سيقام المشروع داخل مجمع بول ران التابع لهيئة وادي تينيسي، مستفيداً من البنية التحتية لمحطة الوقود الأحفوري السابقة، ومن التعاون مع مختبر أوك ريدج الوطني وجامعة تينيسي. ومن المتوقع أن تبدأ المحطة التشغيل الكامل بحلول عام 2034، لتصبح أول محطة ستيلاراتور تجارية في الولايات المتحدة إذا التزم المشروع بالجدول الزمني.
يعتمد المشروع على تصميم ستيلاراتور متقدم، وهو تصميم حلقي الشكل لكنه يختلف جذرياً عن تصميم التوكاماك الشائع. ففي التوكاماك، تُحصر البلازما داخل حجرة حلقية باستخدام مزيج من المجالات المغناطيسية الخارجية وتيار كهربائي قوي يمر داخل البلازما نفسها، ما يجعل الجهاز حساساً للاضطرابات الناتجة عن انقطاع التيار الداخلي. أما الستيلاراتور فيستخدم ملفات مغناطيسية ثلاثية الأبعاد ملتفة حول الحجرة الحلقية، تُنشئ حقلاً مغناطيسياً ثابتاً دون الحاجة إلى تيار داخلي في البلازما. هذا الاختلاف الهندسي يجعل الستيلاراتور جهازاً يعمل في حالة مستقرة بطبيعته، ويقلل من مخاطر الانهيارات المفاجئة، ويتيح تشغيل المحطة لفترات طويلة دون انقطاعات. كما أن استخدام مغناطيسات عالية الحرارة HTS يسمح بتوليد حقول مغناطيسية أقوى، ما يرفع كثافة البلازما ويزيد من كفاءة الاندماج، وهو عنصر محوري في تصميم إنفنتي 2 كما تشير الأبحاث التقنية المنشورة.
يمثل مشروع إنفنتي منصة اختبار للاندماج النووي، إذ يجمع بين مطور تجاري ومرفق كهربائي كبير ومؤسسات بحثية ضمن موقع واحد يعاد توظيفه من محطة تقليدية إلى محطة اندماجية. ويُتوقع أن يصبح هذا الموقع نموذجاً تنظيمياً وتقنياً للمشاريع الاندماجية المستقبلية في الولايات المتحدة، خصوصاً أن الترخيص الجديد لا يقتصر على المشروع نفسه، بل يشكل إطاراً يمكن تطبيقه على مشاريع اندماجية أخرى مع تقدم التقنية نحو النشر التجاري.
وبذلك يشكل مشروع إنفنتي اختباراً مبكراً لقدرة تصميم الستيلاراتور الحديث على الانتقال من الأجهزة التجريبية إلى محطة طاقة قادرة على تزويد الشبكة الكهربائية بطاقة مستقرة، مستنداً إلى أساس فيزيائي منشور، ونموذج أولي قيد البناء، وإطار تنظيمي جديد يفتح الباب أمام عصر الاندماج التجاري في الولايات المتحدة.