تبدو عملية تنسيق حركة اليدين معاً للقيام بمهمة واحدة أمراً بديهياً وتلقائياً بالنسبة للبشر، فنحن لا نفكر كيف تمسك إحدى يدينا بالوعاء بينما تقوم الأخرى بالتحريك، ولكن هذه العملية البسيطة ظاهرياً تمثل في عالم الروبوتات واحدة من أعقد المعضلات الهندسية والبرمجية التي واجهت المطورين لسنوات.
فالتحدي لا يكمن فقط في تحريك كل ذراع على حدة، بل في خلق تناغم وتواصل لحظي بينهما لتجنب التصادم وإنجاز المهام بدقة، وهو ما دفع باحثين من جامعة كارلوس الثالث في مدريد إلى ابتكار منهجية جديدة تجعل هذه المهمة أكثر مرونة وذكاءً.
قدم الباحثون ابتكارهم هذا في الصين خلال مؤتمر IROS 2025 الذي يُعد الأهم عالمياً في مجال الروبوتات، حيث اعتمد الفريق على دمج تقنية التعلم بالمراقبة مع نظام تواصل داخلي متطور بين أطراف الروبوت. تقوم الفكرة الجوهرية لهذا الابتكار على تعليم كل ذراع كيفية أداء مهمتها بشكل مستقل من خلال تقليد البشر، ثم ربط الذراعين معاً عبر خوارزمية رياضية تُعرف بـ "انتشار الاعتقاد الغاوسي".
يعمل هذا النظام بمثابة حوار غير مرئي ومستمر، حيث تقوم كل ذراع ببث احتمالات حركتها القادمة للذراع الأخرى، مما يجعل حركة اليدين مترابطة حسابياً؛ فإذا غيرت إحدى اليدين مسارها، تستقبل الأخرى هذه المعلومة وتعدل مسارها فوراً لتجنب التصادم أو لإكمال المهمة، دون الحاجة لتوقف الروبوت لإعادة الحسابات من الصفر كما كان يحدث سابقاً.
ولتطبيق هذه النظريات على أرض الواقع، استخدم الباحثون الروبوت المسمى آدم، وهو منصة تجريبية متطورة مصممة للمساعدة المنزلية. يعتمد آدم في عمله على منظومة حسية متكاملة تبدأ بمرحلة الإدراك، حيث يقوم بجمع البيانات من محيطه باستخدام مستشعرات ليزر لقياس المسافات واكتشاف العقبات، مدعومة بكاميرات متطورة تلتقط الصور وتعالج العمق لبناء نماذج ثلاثية الأبعاد للمكان. تنتقل هذه البيانات بعدها إلى مرحلة الاستدلال والمعالجة لاستخراج المعلومات الضرورية، وصولاً إلى مرحلة اتخاذ القرار وتنفيذ الحركة، سواء كانت تحريك القاعدة للتنقل أو تنسيق الأذرع لترتيب المائدة أو كي الملابس.
يعتقد الباحثون أن إتقان تقنية تنسيق حركة اليدين سيجعل الروبوتات خلال السنوات القادمة مفيدة جداً لمساعدة كبار السن، فروبوت مثل آدم مصمم ليقوم بمهام قد تبدو بسيطة للأصحاء لكنها حيوية للمسنين، مثل إحضار كوب ماء مع الدواء في وقت محدد، أو المساعدة في ارتداء المعطف، أو ترتيب المطبخ.
ورغم أن الروبوت آدم لا يزال في طوره التجريبي وتكلفته الحالية مرتفعة، إلا أن الباحثين يؤكدون أنه مع تطور ونضج التكنولوجيا المستخدمة فيه، ستدخل هذه الروبوتات إلى منازلنا بتكلفة معقولة خلال فترة تتراوح بين 10 إلى 15 عاماً.