وقّعت وزارة الدفاع الأميركية عقوداً مع شركة Q‑CTRL الأسترالية، وهي شركة متخصصة في تكنولوجيا الكم، لتطوير أنظمة ملاحة تعتمد على أجهزة استشعار كمومية لقياس المجال المغناطيسي للأرض لتحديد الموقع بدلاً من نظام GPS.
يأتي التوجه نحو تطوير بدائل لنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) نتيجة اعتماده على إشارات الأقمار الصناعية الخارجية، مما يجعله عرضة للتشويش الإلكتروني أو الانقطاع في بيئات النزاع.
ولحل هذه المعضلة، يتم تطوير تقنية "الملاحة عبر الشذوذ المغناطيسي" (MagNav)، التي تعتمد على قراءة الخصائص المغناطيسية للأرض بدلاً من استقبال الإشارات اللاسلكية، مما يوفر نظام ملاحة داخلياً ومستقلاً تماماً.
يعتمد المبدأ العلمي لهذا النظام على الطبيعة الجيولوجية للقشرة الأرضية؛ فالأرض لا تمتلك مجرد قطبين مغناطيسيين رئيسيين فحسب، بل تحتوي صخورها ومعادنها الباطنية على اختلافات مغناطيسية مكانية تُعرف بـ "الشذوذ المغناطيسي". تشكّل هذه الاختلافات خرائط ثابتة وفريدة لكل موقع جغرافي، وتعمل كبصمة تعريفية للمكان. وتتم عملية الملاحة عبر مقارنة القراءات المغناطيسية الفورية التي تلتقطها المركبة مع خرائط مرجعية عالية الدقة مخزنة مسبقاً، مما يتيح تحديد الموقع دون الحاجة للتواصل مع الفضاء الخارجي.
يتطلب رصد هذه التغيرات الدقيقة في القشرة الأرضية حساسية تتجاوز قدرة البوصلات التقليدية، ولذلك يتم استخدام "أجهزة الاستشعار الكمومي" (Quantum Sensors). تعمل هذه الأجهزة عادةً عبر تسليط أشعة الليزر على ذرات مبردة أو على عيوب بلورية في الماس الصناعي للتحكم في حالتها الكمومية. وتتميز هذه الذرات بحساسية عالية جداً للمجالات المغناطيسية الخارجية، حيث يؤدي أي تغير طفيف في المغناطيسية الأرضية إلى تغيير قابل للقياس في خصائص الذرات، مما يوفر بيانات دقيقة تتيح رسم مسار المركبة بناءً على التضاريس المغناطيسية أسفلها.
تمثلت العقبة التقنية الرئيسية أمام استخدام هذه المستشعرات في تأثرها الشديد بالضجيج والاهتزازات الميكانيكية الناتجة عن محركات الطائرات، مما كان يحد من دقتها خارج المختبرات. ولتجاوز ذلك، طورت شركات تقنية مثل Q‑CTRL برمجيات تحكم كمومي متقدمة تقوم بفلترة البيانات آنياً. تعمل هذه البرمجيات على تمييز الإشارات المغناطيسية الأرضية الحقيقية وفصلها عن التشويش الناتج عن حركة المركبة واهتزازها، مما يسمح للنظام بالعمل بكفاءة في البيئات الميدانية المتحركة.
على صعيد التطبيق العملي، يواجه النظام تحديات لوجستية تتمثل في ضرورة استكمال مسح مغناطيسي عالمي شامل وعالي الدقة لتكوين الخرائط المرجعية، خاصة في المحيطات التي تفتقر إلى بيانات دقيقة مقارنة باليابسة، بالإضافة إلى العمل المستمر على تقليل حجم واستهلاك الطاقة لهذه الأجهزة لتناسب الطائرات المسيّرة والصواريخ.
وتشير التوقعات إلى اعتماد نظام "هجين" مستقبلاً، حيث يظل GPS وسيلة أساسية، بينما تعمل الملاحة المغناطيسية كنظام مرجعي للتحقق من صحة البيانات وضمان استمرارية الملاحة في حال انقطاع الإشارة الفضائية.