قراءة الدماغ: نموذج لغة دماغي مبتكر يحول الأفكار إلى كلمات

بقلم:   تامر كرم           |  March 11, 2025

brainllm

تخيّل أن ترتدي خوذة على رأسك تقرأ أفكارك وتكتبها أمامك مباشرة. ألن يشكل ذلك ثورة في التواصل؟ ألن يساعد في حل مشكلات الأشخاص الذين يعانون من صعوبات في النطق، ويسهّل ويسرّع التعبير عن أفكارنا ونقلها إلى الآلات أو البشر؟ هذا بالضبط ما يسعى إليه نموذج اللغة الدماغي "BrainLLM".

قاد فريق عالمي من الباحثين من الصين والدنمارك وهولندا جهود تطوير هذا النموذج، مستفيدين من قوة النماذج اللغوية الكبيرة مثل "ChatGPT" وقدرتها على توليد نصوص مترابطة ومتماسكة بناءً على مدخلات نصية. استخدم الفريق هذه التقنية لتحويل الإشارات الكهربائية الدماغية، التي تُسجل عبر أجهزة الرنين المغناطيسي، إلى كلمات تعبر بدقة عما يدور في ذهن الشخص.

تتميز هذه الطريقة الجديدة عن التجارب السابقة التي كانت تعتمد على مجموعة محدودة من الجمل أو الكلمات، حيث كانت تدرّب نماذج الذكاء الاصطناعي على إنتاجها استجابةً لإشارات دماغية مرتبطة بها مسبقاً. هذا النهج القديم كان يقيّد تنوع الجمل المنتجة ويحد من ترابطها واتساقها، مما يقلل من قدرتها على التعبير الكامل عن الأفكار المستمدة من التسجيلات الدماغية.

لم يُجرِ الباحثون أي تعديلات على النماذج اللغوية نفسها، بل ركزوا على تحويل التسجيلات الدماغية إلى مدخلات مناسبة تشبه المدخلات النصية. لتحقيق ذلك، طوّروا شبكة عصبية اصطناعية تُحوّل هذه التسجيلات إلى تمثيلات مشابهة لتمثيلات الكلمات. اعتبروا التسجيلات الدماغية، التي لها بُعد زمني، سلسلة من الفترات الزمنية، حيث تُمثل كل فترة كلمة، لتصبح التسجيلات بمثابة سلسلة متصلة من الكلمات كالنصوص تماماً.

أطلق الباحثون على هذه الشبكة اسم "المحول الدماغي"، وقاموا بتدريبها باستخدام نصوص مرتبطة بتسجيلات دماغية تم الحصول عليها من أجهزة الرنين المغناطيسي لأشخاص كانوا يستمعون إلى عبارات معينة أو يقرؤونها. وهكذا، تحمل الإشارات الدماغية معاني هذه العبارات، بينما ترتبط النصوص بهذه التسجيلات مباشرة. يحول "المحول الدماغي" التسجيلات إلى تمثيلات مشابهة للنص، ثم يُدمج الاثنان معاً في النموذج اللغوي. يتم تدريب "المحول الدماغي" من خلال محاولة النموذج إعادة إنتاج النصوص التي كان الشخص يقرؤها أو يسمعها أثناء التسجيل.

بعد التدريب، اختُبر النموذج "BrainLLM"، وأظهر تفوقاً ملحوظاً على النماذج التقليدية السابقة، حيث نجح في توليد جمل أكثر تعبيراً عما يفكر فيه الشخص، مع حفاظه على لغة مترابطة ومتناسقة بشكل فريد. ومع ذلك، عند اختباره على عدد من الأفراد، تبين أن دقته تختلف من شخص لآخر. فبالرغم من تشابه طريقة عمل الدماغ بين البشر، فإن لكل فرد خصوصية في الإشارات الدماغية التي يولدها للتعبير عن فكرة معينة، مما يفسر هذا التباين في النتائج.

لاحظ الباحثون أيضاً أن استخدام تسجيلات دماغية من مناطق محددة، مثل منطقة "بروكا" والقشرة السمعية، يعزز دقة النتائج، حيث تلعب هذه المناطق دوراً رئيسياً في معالجة اللغة الطبيعية وإنتاجها.

ورغم النجاحات المحققة، لا يزال هناك مجال كبير لتحسين النموذج قبل أن يصبح جاهزاً للاستخدام العملي. من بين التحسينات المقترحة: التركيز على مناطق الدماغ المرتبطة بتكوين اللغة، وتكييف النظام ليناسب خصوصيات كل فرد، واستخدام أجهزة تصوير كهربائي للدماغ (EEG) التي يمكن ارتداؤها بسهولة، بدلاً من أجهزة الرنين المغناطيسي الدقيقة ولكن غير العملية خارج الأطر التجريبية والبحثية.

يُعد هذا البحث خطوة واعدة نحو تطبيقات مستقبلية في علاج اضطرابات الكلام وتطوير واجهات الدماغ والحاسوب، مقرباً إيانا أكثر من فك تشفير إشارات الدماغ وفهمها بعمق.



مشاركة