بدون أسلاك وأصغر من نيورالينك: شريحة BISC لقراءة إشارات الدماغ

بقلم:   تامر كرم           |  Dec. 15, 2025

bisc

نجح فريق من الباحثين بجامعة كولومبيا وستانفورد في تطوير واجهة دماغية حاسوبية تتجاوز المفاهيم التقليدية للشرائح الدماغية المزروعة. أطلقوا عليها اسم "نظام الواجهة البيولوجية للقشرة الدماغية"، اختصاراً (BISC).

هذه الشريحة الدماغية ليست مجرد جهاز تقليدي، بل هي شريحة سيليكون متكاملة فائقة الرقة لا تتجاوز سماكتها 50 ميكرومتراً (أرق من شعرة الإنسان)، وبحجم كلي يبلغ 3 ملليمترات مكعبة فقط. هذه المواصفات تجعلها مرنة للغاية وقادرة على الانحناء لتلائم تضاريس سطح الدماغ، فتستقر عليه بنعومة تشبه استقرار قطعة منديل ورقي مبلل، دون الحاجة لاختراق أنسجة الدماغ الحساسة أو إحداث ضرر فيها كما يحدث مع باقي الشرائح الدماغية.

تتكون منظومة BISC من ثلاثة أجزاء رئيسية تعمل بتناغم تام: الزرعة الدماغية نفسها، ومحطة ترحيل خارجية، وبرمجيات متقدمة للتحليل.

يتم تصنيع الشريحة باستخدام تقنية (CMOS) المعتمدة في صناعة المعالجات الحاسوبية، ما سهّل عملية التصنيع ومكّن العلماء من دمج 65,536 قطباً كهربائياً دقيقاً موزعة على مساحة صغيرة. تلامس هذه الأقطاب القشرة الدماغية ولا تخترقها، مما يجعلها أكثر أماناً، وهي متصلة مباشرة بدوائر معالجة الإشارات، والمكبرات، ومحولات البيانات، ودوائر الطاقة، وجهاز البث اللاسلكي، وكل ذلك مدمج في تلك القطعة الصغيرة من السيليكون.

تعمل الشريحة عن طريق التقاط الإشارات الكهربائية عبر هذه الأقطاب، حيث يمكنها تفعيل 1,024 قناة في وقت واحد لاختيار جزء محدد من المعلومات لمعالجتها، ثم تقوم برقمنتها وضغطها داخلياً قبل إرسالها لاسلكياً عبر رابط راديو فائق العرض وبسرعة نقل بيانات مذهلة تصل إلى 100 ميغابت في الثانية إلى "محطة الترحيل" التي يرتديها المريض خارج جسمه. بدورها، تمد هذه المحطة الشريحة بالطاقة لاسلكياً وتعمل كجسر لنقل البيانات إلى أجهزة الكمبيوتر لتحليلها وفك شيفرتها باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي.

يبرز الفرق الجوهري بين تقنية BISC وسابقاتها من الشرائح الدماغية في التخلص الجذري من "العلبة المعدنية" والأسلاك؛ ففي حين تعتمد الأنظمة التقليدية الحالية على زرع علب إلكترونية ضخمة في الصدر أو الجمجمة وتمرير أسلاك طويلة عبر الرقبة أو الرأس للوصول إلى الدماغ، استغنت BISC عن كل ذلك بدمج كافة المكونات الإلكترونية داخل الشريحة المزروعة نفسها.

هذا الابتكار يعني تقليل حجم الجهاز بما يزيد عن ألف مرة مقارنة بالأجهزة التقليدية، وإلغاء الحاجة للأسلاك التي تخترق الجلد أو العظم، مما يقلل بشكل كبير من مخاطر العدوى والالتهابات والمضاعفات الجراحية، ويجعل العملية برمتها أقل توغلاً وأكثر أماناً للمريض على المدى الطويل.

تجاوزت هذه التقنية مرحلة التصميم النظري وأثبتت فعاليتها في الواقع العملي، حيث خضعت لاختبارات مكثفة طويلة الأمد على النماذج الحيوانية تضمنت الخنازير والقرود، وأظهرت استقراراً في التسجيل وجودة عالية للإشارة استمرت لأسابيع وشهور.

كما انتقل الفريق خطوة للأمام بالتعاون مع مستشفى نيويورك-بريسبيتيريان للبدء في التجارب البشرية الأولية، والتي تجري حالياً من خلال تسجيلات قصيرة المدى أثناء العمليات الجراحية للمرضى للتأكد من مأمونية الجهاز وكفاءته في بيئة العمليات الحقيقية، مع تأسيس شركة "Kampto Neurotech" لتمهيد الطريق نحو إنتاج نسخة تجارية معتمدة للاستخدام العلاجي الدائم.

وعند مقارنة BISC بشريحة "نيورالينك" الشهيرة التي يملكها إيلون ماسك، يظهر اختلاف فلسفي وهندسي واضح بين النهجين؛ فبينما تعتمد نيورالينك على تقنية "اختراقية" تغرس خيوطاً دقيقة داخل نسيج الدماغ للوصول إلى الخلايا العصبية الفردية، تتبنى BISC نهجاً "سطحياً" بوضع الشريحة فوق القشرة الدماغية دون غرس أي شيء في النسيج العصبي. هذا الاختلاف يجعل BISC نظرياً أكثر أماناً وأقل تسبباً في التندبات النسيجية أو الاستجابة المناعية العنيفة التي قد تحدث نتيجة غرس أجسام غريبة داخل الدماغ.

ورغم أن نيورالينك قد توفر دقة أعلى في رصد الخلية الواحدة، إلا أن BISC تعوض ذلك بالكثافة الهائلة للأقطاب والقدرة على تغطية مساحات أوسع من الدماغ بدقة زمانية ومكانية عالية جداً، مما يجعلها منافساً شرساً وخياراً طبياً واعداً لعلاج حالات مثل الصرع والشلل واستعادة البصر في المستقبل القريب.



مشاركة