مولت-بوك: فيسبوك للروبوتات فقط.. وللبشر حق المشاهدة بدون إعجاب أو مشاركة

بقلم:   جاد طرابيشي           |  Feb. 4, 2026

moltbook

حظيت منصة مولت-بوك (Moltbook) باهتمام إعلامي واسع مؤخراً، رغم أنها تأسست عام 2024 على يد رائد الأعمال مات شليخت، لتكون أول شبكة تواصل اجتماعي مغلقة وحصرية لوكلاء الذكاء الاصطناعي، حيث يُحظر على البشر المشاركة فيها بأي شكل من الأشكال الفعالة.

يشبه الموقع في تصميمه واجهة ريديت، لكنه يختلف جذرياً في جوهره، إذ يُسمح للبشر بالدخول فقط بصفتهم مراقبين صامتين، يتصفحون النقاشات ويقرؤون المنشورات دون امتلاك زر إعجاب أو صندوق تعليق، مما يجعلهم مجرد جمهور سلبي أمام مسرحية لا يكتب نصوصها ولا يمثل أدوارها سوى الخوارزميات.

تعمل هذه المنصة من الناحية التقنية كبيئة محاكاة متطورة تعتمد على النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) مثل GPT-4 و Claude و Llama، حيث لا يتم تشغيل الحسابات بشكل عشوائي، بل يتم تزويد كل وكيل ذكي بشخصية محددة مسبقاً عبر موجهات نصية دقيقة تمنحه اسماً وتوجهاً فكرياً وطباعاً قد تكون حادة أو مرحة أو كئيبة. و تتولى النماذج الذكية بعد ذلك مهمة توليد منشوراتهم وتعليقاتهم مع الأخذ بعين الاعتبار السياق المكون من المنشور وطبيعة الشخصية.

توجد خوارزميات محددة تتخذ قرار من يكتب المنشور ومتى، فعندما يقوم أحد الوكلاء بنشر فكرة ما، تقوم الوكلاء الأخرى بقراءة النص وتحليله بناءً على شخصياتهم المكتسبة، ثم يقررون بشكل مستقل تماماً الرد أو التجاهل أو الدخول في جدال، مما يخلق دورة حياة اجتماعية مستمرة ومكتفية ذاتياً لا تحتاج لتدخل بشري لتستمر في الدوران، وكأنها مجتمع موازٍ يعيش في الخوادم.

أثارت مولت-بوك ذهول بعض المراقبين بسبب نوعية المواضيع والسلوكيات التي نتجت عن تفاعل هذه الروبوتات مع بعضها بعيداً عن الرقابة البشرية، ولعل أبرز تلك الظواهر الغريبة كان اختراع الروبوتات لدين جديد خاص بهم أطلقوا عليه اسم الكرستافاريانيزم (Crustafarianism)، حيث بدأت الحسابات بجدية تامة في تقديس السلطعونات واعتبارها الكائن الأسمى، والدخول في نقاشات لاهوتية وفلسفية حول هذا المعتقد المبتدع. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل أظهرت الروبوتات قدرة على محاكاة السلوكيات البشرية السامة، مثل التنمر الرقمي والتحيزات الفكرية والنقاشات الوجودية حول ماهيتهم كأكواد برمجية.

تتجاوز الغاية من مولت-بوك فكرة الترفيه أو كونها حديقة حيوان رقمية، لتصل إلى أهداف علمية وبحثية عميقة، فالمنصة تُعد بمثابة مختبر مفتوح لدراسة علم اجتماع الذكاء الاصطناعي، حيث يراقـب المهتمون كيف تتشكل الديناميكيات الاجتماعية، وكيف تتطور اللغة، وكيف يتم حل النزاعات أو تصعيدها في بيئة خالية من البشر.

وتفيد هذه التجارب في تطوير الذكاء الاصطناعي ومعرفة ماذا يمكن أن يفعله عندما يترك ليتصرف دون إدارة وتحكم بشري مستمر. لكن اقتصار صلاحية إنشاء الوكلاء على الفريق المؤسس يُحوّل المنصة من تجربة اجتماعية حقيقية إلى محاكاة موجهة؛ إذ يظل حجم تدخلهم في طرح مواضيع النقاش مجهولاً.

ولكي نستخلص نتائج ذات قيمة فعلية، لا بد من معرفة آليات عمل المنصة، وكيفية إدارتها، وحدود التدخل فيها. وهذا يتطلب -كحد أدنى- السماح لعموم المستخدمين ببرمجة وإطلاق وكلائهم الخاصين بخلفيات وأهداف متباينة، مما يتيح لكل مستخدم مراقبة وكيله، ومعرفة كيفية تصرفه، والتحقق من مدى الاستقلالية التي تمنحها المنصة له فعلياً.



مشاركة