كشفت ميكانيكا الكم حقيقة مذهلة تتنافى مع حدسنا اليومي، وهي أن الجسيمات دون الذرية، مثل الفوتون والإلكترون، يمكن أن توجد في عدة حالات أو أماكن في اللحظة نفسها، فيما يُعرف بالتراكب الكمومي.
المعادلات الرياضية التي تصف حركتها، وأشهرها معادلة شرودنجر، لا تحدد مكاناً ثابتاً للجسيم، بل تعطي دالة موجية تحمل احتمالات لهذا التواجد؛ فاحتمال أن يكون الإلكترون في الموقع (أ) قد يكون 10%، وفي الموقع (ب) 15% وهكذا. الإشكالية الكبرى تظهر عندما نقيس هذا الإلكترون لنعرف مكانه؛ حيث تنهار فجأة كل تلك الاحتمالات، ولا نجده إلا في مكان واحد محدد فقط، مما يطرح سؤالاً جوهرياً: أين ذهبت بقية الاحتمالات؟ وكيف أجبرت عملية القياس الطبيعة على الاختيار؟
هذا السلوك الغريب أثار جدلاً تاريخياً بين عمالقة الفيزياء؛ فقد اعتبر ألبرت أينشتاين أن ميكانيكا الكم نظرية ناقصة، رافضاً فكرة أن القياس هو ما يخلق الواقع، ومؤكداً أن "الإله لا يلعب النرد"، أي أن هناك متغيرات خفية تحدد الموقع بدقة نجهلها نحن. في المقابل، تبنت مدرسة كوبنهاغن بقيادة نيلز بور موقفاً مغايراً، حيث لم تهتم بإعطاء تفسير واقعي لحالة الإلكترون قبل القياس، واعتبرت أن السؤال عن مكانه قبل رصده هو سؤال بلا معنى؛ فالمعادلات بالنسبة لهم هي مجرد أدوات حسابية للتنبؤ بالنتائج وليست وصفاً حرفياً لواقع خفي، رافضين بذلك الاعتراف بأي نقص في النظرية، وتاركين العقل البشري عاجزاً عن فهم كيف يمكن للشيء أن يكون هنا وهناك في آن واحد.
في عام 1957، جاء الفيزيائي الشاب هيو إيفريت بتفسير جريء عُرف بـ "نظرية العوالم المتعددة"، حيث أكد على صحة معادلات الكم وكمالها، لكنه قدم حلاً لمسألة القياس. اعتبر إيفريت أن عملية القياس لا تسبب أي انهيار للدالة الموجية ولا تُلغي أي احتمال، بل إن جميع الاحتمالات الممكنة رياضياً تحدث فعلياً لكن في عوالم مختلفة. ووفقاً لهذا التفسير، إذا كان الراصد البشري يقيس موقع إلكترون يحتمل وجوده في اليمين واليسار معاً، ووجده في اليمين، فهذا لا يعني أن احتمال اليسار قد تلاشى، بل يعني أن الكون قد انشطر أو تفرع في تلك اللحظة إلى عالمين: عالم يجده فيه الراصد في اليمين، وعالم يجده فيه في اليسار.
تقتضي النظرية أنه عند كل حدث كمي، ينقسم الواقع إلى نسخ متعددة؛ ففي نسختنا من الكون رأى الراصد الإلكترون يميناً، وفي عالمٍ موازٍ انشق عنا للتو، توجد نسخة أخرى من الراصد نفسه رأت الإلكترون يساراً. هذا يعني أن كل احتمال ممكن الحدوث يحدث بالفعل، ولكن كل نتيجة تتحقق في فرع كوني مستقل. وبما أن التفاعلات الكمومية تحدث باستمرار، فإن العالم يتفرع إلى عدد لا نهائي من العوالم، وتظل هذه الفروع منفصلة تماماً عن بعضها البعض، فلا يمكن لنسخنا المختلفة أن تتواصل أو تتبادل المعلومات، مما يخلق لدينا وهماً بأننا نعيش واقعاً واحداً.
على الرغم من أن النظرية (التفسير بالأحرى) تزيل العشوائية وتعيد الحتمية للفيزياء، إلا أنها تواجه انتقاداً جوهرياً يجعل من الصعب تصنيفها كنظرية علمية مكتملة الشروط، وهو استحالة الاختبار أو عدم القابلية للتكذيب. إذ يعتمد المنهج العلمي التجريبي أساساً على القدرة على وضع اختبار يمكن أن يثبت خطأ النظرية، ولكن بما أن هذه العوالم الموازية -بحكم تعريف النظرية نفسها- معزولة عنا تماماً ولا يمكن رصدها بأي أداة مهما تطورت، فلا توجد تجربة ممكنة لإثبات وجودها أو نفيه. هذا الوضع الإشكالي يدفع العديد من العلماء وفلاسفة العلم لاتهام النظرية بأنها أقرب للفلسفة الميتافيزيقية أو الخيال منها إلى الفيزياء الواقعية، إضافة إلى اعتراضهم على ما يسمونه التبذير الوجودي، حيث يبدو من غير المنطقي عقلياً افتراض خلق مليارات الأكوان المعقدة في كل جزء من الثانية لمجرد تفسير حركة إلكترون متناهي الصغر.
في الختام، تظل نظرية العوالم المتعددة محاولة جادة لإيجاد تفسير للمعادلات الرياضية التي تصف الظواهر الكمومية بدقة، بدلاً من اعتبارها مجرد رموز احتمالية دون فهم حقيقة ما يجري. لكنها في سعيها لحل هذا اللغز خلقت إشكالية جديدة؛ فهي تقول بطريقة ما إن كل ما يمكن أن يحدث سيحدث بالفعل في مكان ما، ولا تقدم أي طريقة للتحقق من ذلك.