التشابك الكمومي: ما هو؟ ولماذا وصفه أينشتاين بالفعل الشبحي؟

بقلم:   تامر كرم           |  Jan. 1, 2026

entanglement

يُعد التشابك الكمومي واحداً من أغرب الظواهر في الفيزياء الحديثة وأكثرها إثارة للدهشة، وهو عبارة عن رابطة عميقة وخفية تجمع بين جسيمين أو أكثر، بحيث تصبح هذه الجسيمات وكأنها كيان واحد بغض النظر عن المسافة الفاصلة بينهما.

لتبسيط الفكرة، تخيل أن لديك عملة سحرية قسمتها إلى نصفين كل منهما له وجهان، وأبقيت النصف الأول معك، بينما أخذ رفيقك النصف الثاني إلى قارة أخرى بعيدة آلاف الكيلومترات. فإذا قمت برمي النصف الأول في منزلك وظهرت لك صورة، فإن النصف الثاني الموجود مع صديقك في القارة الأخرى سيظهر فوراً وبشكل آني على وجه الكتابة، دون أي اتفاق مسبق ودون أي وسيلة اتصال مادية بينهما، وكأن الجزأين يتخذان قرارهما في اللحظة نفسها بالتوافق التام رغم ابتعادهما عن بعضهما آلاف الأميال.

كان العالم ألبرت أينشتاين أول من انتبه إلى إمكانية وجود هذه الظاهرة الغريبة، ولم يطرحها ككشف علمي بل استخدمها كدليل لمحاولة إثبات أن نظرية الكم غير منطقية وناقصة. فأينشتاين لم يتقبل فكرة أن يؤثر جسيم على آخر بشكل لحظي، لأن ذلك يقتضي تبادل معلومات بسرعة تفوق سرعة الضوء، وهو ما يتناقض مع نظريته النسبية؛ ولهذا أطلق عليها ساخراً وصف "الفعل الشبحي عن بعد"، وكان يعتقد أن هناك متغيرات مخفية لم تُكتشف بعد هي التي تحدد النتائج مسبقاً وأنه لا يوجد مثل هذا الترابط الآني الغريب.

ظلت هذه المسألة محط جدل فلسفي وعلمي لعقود، ورغم أن التجارب العملية بدأت منذ السبعينيات تشير إلى صحة ميكانيكا الكم وخطأ حدس أينشتاين، إلا أن تلك التجارب الأولية لم تكن حاسمة بشكل قاطع. فقد بقيت هناك شكوك علمية تُعرف بالثغرات، حيث افترض بعض المشككين أن أجهزة القياس قد لا تكون دقيقة بما يكفي لرصد كل الجسيمات، أو أن المسافة بين الجسيمات في المختبر لم تكن كبيرة لدرجة تمنع احتمال وجود تواصل خفي بينهما بسرعة أقل من سرعة الضوء، مما أبقى الباب مفتوحاً لاحتمال أن تكون هناك تفسيرات كلاسيكية لهذه النتائج.

جاء الحسم النهائي والقاطع عام 2015 ليسدل الستار على هذا الجدل، حيث نجحت ثلاث فرق بحثية منفصلة في إجراء تجارب دقيقة للغاية أغلقت كافة الثغرات السابقة في وقت واحد. قام العلماء في هذه التجارب بفصل الجسيمات المتشابكة بمسافات كبيرة جداً، وضمان أن تتم عملية القياس بسرعة فائقة بحيث يستحيل لأي إشارة أو معلومة أن تنتقل بين الجسيمين حتى لو سارت بسرعة الضوء، مما أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الترابط بينهما هو ترابط آني يتجاوز قيود المكان والزمان التقليدية، وأن الجسيمات لا تتواصل بل هي مترابطة ككيان واحد.

ما جعل هذه التجارب نقطة تحول تاريخية هو الدقة الإحصائية الهائلة التي رافقتها، حيث أظهرت الأرقام أن احتمالية أن تكون هذه النتائج مجرد صدفة عشوائية هي احتمالية ضئيلة جداً تكاد تكون معدومة (واحد في المليارات من المليارات).

هذا اليقين الرياضي والتجريبي جعل ظاهرة التشابك الكمومي حقيقة علمية راسخة ومقبولة تماماً في المجتمع العلمي اليوم، منهية عقوداً من التشكيك، ومؤكدة أن الطبيعة في مستواها الذري تعمل بطرق أغرب بكثير مما تخيله المنطق البشري التقليدي أو حتى عبقرية أينشتاين.



مشاركة