تعتبر محاكاة التفاعلات الكيميائية المعقدة للبروتينات من أكبر التحديات في مجال الحوسبة العلمية. لهذا، فإن استخدام أجهزة الكمبيوتر الكمومية إلى جانب الأجهزة الكلاسيكية يساهم في دراسة مشاكل الكيمياء في العالم الحقيقي التي يصعب على الحواسيب التقليدية حلها بمفردها. ولهذا الغرض، أجرى باحثون من كليفلاند كلينك (Cleveland Clinic) ومعهد ريكن الياباني (RIKEN) وشركة IBM أكبر محاكاة كيميائية كمومية-كلاسيكية حتى الآن، إذ قاموا بنمذجة أنظمة بروتينية مع الجزيئات المرتبطة بها والتي تضم أكثر من 12000 ذرة.
قام الفريق بمحاكاة بروتينين ذوي صلة بيولوجية، وهما (T4-Lysozyme) و(Trypsin)، بالإضافة إلى الجزيئات التي يرتبطان بها، وذلك في بيئة مائية واقعية. بلغ حجم النظام الأول (T4-Lysozyme ومرتبطاته) 11,608 ذرات، بينما وصل النظام الأكبر (Trypsin ومرتبطاته) إلى 12,635 ذرة وما يقرب من 30 ألف مدار. وقد تجاوز هذا الإنجاز إلى حد كبير العروض السابقة للحوسبة الكمومية في مجال الكيمياء، وتحديداً المحاكاة التي أجراها الباحثون قبل بضعة أشهر لبروتين مصغر (Trp-cage) بلغ حجمه 303 ذرات فقط.
تعتمد هذه المحاكاة على تقسيم المشكلة الكيميائية المعقدة إلى أجزاء أصغر يمكن إدارتها حاسوبياً، وهو ما يُعرف بنهج الحوسبة العملاقة المتمحورة حول الكم، حيث يتم توزيع المهام بذكاء بين الأنظمة الكلاسيكية والكمومية لتحقيق تكامل فعال.
يبدأ النظام الكلاسيكي بتلقي البيانات الخاصة بالبروتين الضخم، ويقوم بمسحها وتقسيم الجزيء إلى مناطق أو عناقيد أصغر جغرافياً وحسابياً. تتولى أجهزة الكمبيوتر الكلاسيكية معالجة المناطق الأبسط التي لا تتطلب حسابات ميكانيكية كمومية معقدة. أما بالنسبة للمناطق شديدة التشابك والتي يصعب على الحواسيب التقليدية حلها بكفاءة بسبب كثرة الاحتمالات فيها، فيتم إرسالها إلى المعالج الكمومي. هنا يبرز دور الكمبيوتر الكمومي، حيث يقوم باستكشاف المساحات الشاسعة من التكوينات الإلكترونية المحتملة، ويعمل كمرشح ذكي يقوم بتصفية البيانات لاستبعاد التكوينات غير المفيدة والتركيز فقط على التكوينات الجوهرية ذات الأهمية العالية. بعد أن يكمل المعالج الكمومي عملية أخذ العينات وتحليل هذه الأجزاء المعقدة، يرسل النتائج المستخلصة والمبسطة مرة أخرى إلى الكمبيوتر الكلاسيكي، الذي يقوم بدوره بحل هذه الأجزاء ثم إعادة تجميع ودمج كافة النتائج لتقديم صورة كاملة ودقيقة لسلوك الجزيء بأكمله.
ولتنفيذ هذه العملية الحسابية الضخمة، اعتمد الباحثون على بنية تحتية دولية موزعة تجمع بين أحدث التقنيات. من الجانب الكمومي، تم استخدام معالجين متطورين من نوع IBM Heron r2 بسعة 156 كيوبتا، حيث تواجد المعالج الأول في منشأة كليفلاند كلينك بالولايات المتحدة، بينما تواجد الثاني في معهد ريكن في مدينة كوبي اليابانية. أما من الجانب الكلاسيكي، فقد أوكلت مهمة معالجة وتجميع البيانات الناتجة إلى حاسوبين عملاقين في اليابان، هما حاسوب فوجاكو التابع لمعهد ريكن، وحاسوب ميابي-جي المسرع بوحدات معالجة الرسومات والذي تديره جامعتا طوكيو وتسوكوبا.
تبرز أهمية هذه المحاكاة بشكل أوضح عند مقارنتها بالتجارب السابقة؛ حيث كانت التجربة التي سبقتها بأشهر قليلة مقتصرة على محاكاة بروتين صغير يتكون من 303 ذرات فقط في بيئة معزولة. أما المحاكاة الحالية فقد قفزت بحجم النظام بمقدار 40 ضعفاً لتتجاوز حاجز 12 ألف ذرة، مع تضمين جزيئات الماء وعوامل الارتباط لتمثيل بيئة البروتين الطبيعية بشكل أكثر واقعية.
ولم تقتصر القفزة على الحجم فحسب، بل رافقها تحسن هائل في الدقة بلغ 210 أضعاف في أجزاء رئيسية من الحسابات. تحقق هذا التقدم بفضل تطوير خوارزميات جديدة قللت من التكلفة الحسابية وجعلت المعالج الكمومي أكثر تركيزاً على استخلاص البيانات الدقيقة وسط كم هائل من الاحتمالات والضوضاء، معتمداً على استخدام ما يصل إلى 94 كيوبتاً موزعة على معالجين كموميين.
على الرغم من هذا التقدم الكبير، يجب التوضيح أن هذا النهج الهجين لا يتفوق حتى اللحظة على أفضل المناهج الكلاسيكية البحتة المتاحة حالياً. ومع ذلك، تكمن أهميته الكبرى في إثبات أن الأنظمة الكمومية لم تعد مجرد نظريات غير عملية، بل أصبحت أدوات مفيدة وقابلة للتطبيق في المشكلات العلمية الواقعية، وتوفر بديلاً واعداً لمواجهة تباطؤ التطور في الحوسبة التقليدية.
ومع استمرار تطور الأجهزة الكمومية وزيادة قدرتها على معالجة البيانات، يتوقع البعض أن يتجاوز هذا النهج الهجين قدرات الحواسيب الكلاسيكية بشكل كامل في المستقبل القريب. وقد يؤدي مثل هذا التطور مستقبلاً إلى تسريع عمليات اكتشاف الأدوية المنقذة للحياة، وتصميم مواد متقدمة للبنية التحتية والتكنولوجيا، وتقليل الاعتماد على التجارب المعملية البطيئة والمكلفة، مما سيفتح آفاقاً جديدة لحل مشكلات كانت تُعتبر مستحيلة في عالم الكيمياء الحسابية.