نجحت شركة بوينغ بإجراء اختبارات أرضية لأجهزة اتصال كمومية فضائية تمهيداً لاختبارها في الفضاء، حيث اجتازت سلسلة من التجارب الصارمة التي تحاكي اهتزازات وضغط عملية الإطلاق، بالإضافة إلى تقلبات درجات الحرارة والإشعاعات القاسية في المدار.
وتستعد شركة بوينغ لإطلاق مهمتها الفضائية Q4S كموم للفضاء العام القادم 2027، بهدف اختبار قدرة أجهزة الشبكات الكمومية على العمل بكفاءة وموثوقية في ظروف واقعية خارج المختبرات. فعادةً ما تكون الأجهزة الكمومية المستخدمة على الأرض ضخمة وثقيلة وحساسة للغاية، إلا أن بوينغ نجحت في تصميم أجهزة مدمجة ومخصصة لتحمل بيئة الفضاء ليتم حملها على متن قمر صناعي.
يتركز الهدف التقني للمهمة في إثبات إمكانية إجراء العمليات الكمومية المعقدة عبر هذه الأنظمة المدمجة في الفضاء الفعلي لمدة عام كامل، وعقب انتهاء فترة التشغيل وجمع البيانات، سيتم نشر النتائج الفنية للمشروع لتخضع لمراجعة الأقران للتحقق من كفاءة الأداء.
تكتسب الشبكات الكمومية أهمية بالغة لأنها تعتمد على مبادئ ميكانيكا الكم لتشفير ونقل البيانات بمستويات أمان مطلقة وغير قابلة للاختراق، وتتيح ربط المستشعرات وأنظمة الحوسبة بتزامن فائق الدقة. ومع ذلك، يواجه تطبيق هذه الشبكات على الأرض تحديات فيزيائية كبرى؛ فالنقل الكمومي للفوتونات المتشابكة عبر كابلات الألياف الضوئية يظل محدوداً لمسافات لا تتجاوز عشرات الكيلومترات بعدها تتلاشى الإشارة أو تتشتت بسبب تفاعل الفوتونات مع المادة الزجاجية للكابل وفقدانها لحالتها الكمومية الهشة، مما يجعل إرسال المعلومات بأمان عبر القارات والمناطق المتباعدة عملية صعبة ومعقدة تقنياً. هنا يبرز الفضاء كحل مثالي، ففي فراغ الفضاء، يمكن للفوتونات أن تسافر لمسافات شاسعة دون أن تتعرض للتشتت أو الامتصاص نظراً لغياب العوائق المادية.
لكن هذا لا يلغي الحاجة إلى بناء محطات لتكرار الإشارة الكمومية لأنها تتلاشى حتى في الفضاء وهو بالتحديد ما ستختبره بوينغ عبر عملية تُعرف بـ التبادل المتشابك (Entanglement Swapping). تعمل هذه التقنية كآلية ربط محورية تنشئ حالة تشابك كمومي بين جسيمين متباعدين لم يسبق لهما التفاعل فيزيائياً، وذلك من خلال إجراء قياس كمومي دقيق على جسيمات وسيطة. بفضل هذه العملية، يمكن بناء مكررات كمومية تعمل كعقد لربط الشبكات وتمرير خاصية التشابك عبر سلسلة من المحطات الفضائية. يحل هذا التبادل مشكلة المسافة بشكل نهائي، إذ يسمح بنقل الارتباط الكمومي من نقطة إلى أخرى دون الحاجة إلى تضخيم الإشارة أو استنساخها، وهو إجراء تمنعه قوانين الفيزياء الكمومية ويؤدي إلى تدمير البيانات الأساسية.
نجاح هذا النظام التقني يمثل اللبنة الأولى نحو بناء إنترنت كمومي عالمي متكامل وموثوق، والذي قد يساهم في المستقبل القريب في تطوير بنى تحتية للاتصالات تعتمد على تشفير محصن تماماً، إلى جانب تحسين أنظمة التوقيت للملاحة وتطوير مستشعرات تدمج البيانات بدقة مطلقة بين مختلف البيئات الأرضية والفضائية.