الصين تبتكر طريقة لتحويل مياه الصرف الملوثة إلى أمونيا لإنتاج الأسمدة

بقلم:   جاد طرابيشي           |  May 11, 2026

NH3

تحتوي مياه الصرف الصحي والزراعي والصناعي على كميات هائلة من مركب النترات (NO₃⁻). يتسرب هذا المركب إلى المياه نتيجة الإفراط في استخدام الأسمدة الزراعية، والمخلفات الحيوانية، ونفايات المصانع. وتسبب هذه النترات الكثير من المشاكل البيئية، وتلوث المياه الجوفية، وتهدد صحة البشر.


تنفق الدول الكثير من الأموال لتنقية المياه من هذه النترات دون الاستفادة منها، على الرغم من أن هذه النترات غنية بالنيتروجين، وهو المكون الأساسي للأمونيا (NH₃) التي تُعد حجر الأساس في صناعة الأسمدة. فلو استخرجنا النترات (NO₃⁻) من مياه الصرف، ونزعنا منها ذرات الأكسجين، وألصقنا بها ذرات الهيدروجين لنحولها إلى أمونيا (NH₃)، سنتمكن من تنظيف المياه وإنتاج الأسمدة في آنٍ واحد. ولصنع الأمونيا بالطريقة التقليدية، نحتاج إلى دمج النيتروجين مع الهيدروجين عبر عملية تُسمى "هابر-بوش"، والتي تعتمد على سحب النيتروجين من الهواء والهيدروجين من الغاز الطبيعي، ودمجهما تحت درجات حرارة وضغط هائلين جداً. وتستهلك هذه العملية وحدها ما يصل إلى 2% من إجمالي الطاقة في العالم وتطلق كميات هائلة من الانبعاثات الكربونية.


عمل فريق صيني على تحويل هذه الفكرة إلى تطبيق عملي. فرغم أن هذه الفكرة كانت مطروحة في إطار البحث العلمي، إلا أن تطبيقها عبر التحفيز الكهربائي (Electrocatalysis) واجه عقبات كبيرة؛ إذ تتطلب عملية تفكيك النترات كسر روابط كيميائية قوية جداً، مما يجعل التفاعل بطيئاً للغاية. كما أن العملية كانت "عشوائية" (تفتقر للانتقائية)، حيث كانت الكهرباء المُدخلة تضيع في تفاعلات جانبية غير مرغوب فيها، مثل إنتاج غاز الهيدروجين بدلاً من الأمونيا، وذلك لعدم توفر كمية كافية من الهيدروجين النشط ليتفاعل مع النيتروجين في الوقت المناسب.


لحل هذه المشكلة، استلهم الفريق الصيني الحل من الطبيعة، وتحديداً من الإنزيمات البكتيرية التي تفكك النترات، حيث قاموا بتصميم "مُحفز نانوي" متطور يعتمد على النحاس المُثبت على كريات كربونية مجوفة. ويكمن الابتكار الحقيقي هنا في أنهم لم يستخدموا ذرات مفردة عشوائية، بل صمموا "محفزاً ثنائي الذرة" (Dual-Atom Catalyst)، بحيث تعمل كل ذرتي نحاس متجاورتين كفريق متكامل عبر خطوات دقيقة:
الموقع الأول (محطة التوليد): تقوم ذرة النحاس الأولى بتفكيك جزيئات الماء الموجودة في مياه الصرف، لتولد "هيدروجيناً تفاعلياً نشطاً" وتُطلق إلكترونات.


الموقع الثاني (محطة التجميع): تنتقل الإلكترونات والهيدروجين النشط فوراً إلى ذرة النحاس المجاورة. وتكون هذه الذرة الثانية قد التقطت جزيء النترات (NO₃⁻) من الماء، فتستخدم الهيدروجين والإلكترونات لانتزاع الأكسجين من النترات، وربط الهيدروجين مكانه، لتكتمل الوصفة وتخرج جزيئات الأمونيا (NH₃) الجاهزة.وللوصول إلى هذا التصميم الدقيق، لم يعتمد الباحثون على مبدأ التجربة والخطأ داخل المختبر، بل استخدموا الذكاء الاصطناعي (AI) لمحاكاة آلاف الأزواج الذرية واختيار أفضل تركيبة هندسية للنحاس، مما وفر آلاف الساعات من العمل.


وقد حقق هذا النظام أرقاماً مذهلة؛ فقد بلغت كفاءته الكهربائية (الكفاءة الفاراداية) 93.1%، مما يعني أن الغالبية العظمى من الكهرباء المستخدمة تذهب مباشرة لإنتاج الأمونيا دون هدر. كما سجل معدل إنتاج سريع وصل إلى 11.8 مليغرام في الساعة لكل سنتيمتر مربع، وهو ما يجعله أكثر كفاءة بثلاث مرات من التقنيات السابقة، ويعمل في درجات حرارة الغرفة العادية دون الحاجة لأفران ضخمة أو ضغط عالٍ.
ورغم هذا النجاح الباهر، لا يزال المشروع في مرحلة الاختبارات المعملية، ويعمل الفريق حالياً على دراسة كيفية تكبير حجم هذا النظام ليتمكن من معالجة ملايين اللترات من مياه الصرف الحقيقية، والتي تحتوي على شوائب وملوثات أخرى غير النترات، تمهيداً لدمجه في محطات معالجة المياه والمصانع مستقبلاً.


نشرت الدراسة في مجلة الجمعية الكيميائية الأمريكية - Journal of the American Chemical Society).



مشاركة