لماذا يصعب التشويش على أقمار ستارلينك ويسهل على أقمار GPS؟

بقلم:   تامر كرم           |  Jan. 19, 2026

stargpsjamming

يتخذ التشويش الإلكتروني على الأقمار الصناعية أشكالاً متعددة، لكننا نركز هنا على التشويش الذي يستهدف المستقبلات الموجودة على سطح الأرض وليس القمر الصناعي نفسه.

تعتمد هذه العملية بشكل أساسي على رصد التردد الذي يرسله القمر إلى المستقبل الأرضي، ومن ثم إرسال ضجيج إلكتروني وإشارة أقوى على نفس هذا التردد، مما يجعل الجهاز عاجزاً عن التمييز بين الإشارة الأصلية وإشارة التشويش، فتصبح المعلومات التي يحصل عليها من الفضاء خاطئة أو عشوائية تماماً.

ويُعد هذا النوع من التشويش هو الأبسط، حيث لا يهدف المشوش فيه إلى انتحال صفة القمر أو تزييف البيانات بدقة، بل يكتفي بإغراق المستقبل بالضجيج لقطع الاتصال ومنع الاستفادة من الخدمة.

تكمن نقطة الضعف الأساسية في نظام تحديد المواقع العالمي GPS في الارتفاع الشاهق لأقماره، حيث تدور في مدار متوسط يرتفع حوالي 20,200 كيلومتر عن سطح الأرض. ولهذا تصل إشارات الـ GPS إلى الأرض وهي في غاية الضعف، وما يزيد الأمر سوءاً هو أن نظام الـ GPS يستخدم نطاقاً ترددياً ضيقاً ومحدداً للغاية في نطاق موجات L-band، وتحديداً التردد L1 عند 1575.42 ميجاهرتز للمدنيين والتردد L2 عند 1227.60 ميجاهرتز للعسكريين. وبما أن مستقبلات الـ GPS مصممة لتلقي الإشارات من كافة الاتجاهات لتتمكن من التقاطها من أي مكان في السماء، فإنها تصبح صيداً سهلاً لأي مشوش أرضي بسيط يبث طاقة أعلى قليلاً على تلك الترددات الضيقة، مما يؤدي لإغلاق الخدمة في منطقة واسعة بجهد وتكلفة زهيدين.

في المقابل، تختلف المعايير تماماً عند الحديث عن أقمار ستارلينك، حيث تكمن القوة الأولى في قربها الشديد من الأرض، إذ تحلق في مدارات منخفضة على ارتفاع 550 كيلومتر فقط، مما يجعل إشارتها أقوى بآلاف المرات من إشارة الـ GPS عند وصولها للمستقبل الأرضي. كما لا تعتمد ستارلينك على تردد واحد ضيق، بل تعمل ضمن نطاقات واسعة جداً؛ حيث تستخدم في رابط المستخدم نطاق Ku-band بترددات تتراوح بين 10.7 إلى 14.5 جيجاهرتز، بينما تستخدم المحطات الأرضية (Gateways) نطاق Ka-band بترددات تصل إلى 30 جيجاهرتز. ويتم تقسيم هذا الطيف إلى مئات القنوات الفرعية، حيث يستخدم النظام تقنية القفز الترددي السريع، الذي يمكنه من الانتقال السريع الفوري من تردد لآخر في حال التشويش، مما يجبر المشوش على تغطية طيف واسع جداً من الترددات، وهو أمر يستهلك طاقة ضخمة لا تتوفر إلا في أنظمة الحرب الإلكترونية المتقدمة.

أما العنصر الأكثر حسماً في حماية ستارلينك فهو تكنولوجيا المصفوفة الطورية المستخدمة في أجهزة الاستقبال. فخلافاً لهوائي الـ GPS الذي يستقبل من كل الجهات، يعمل طبق ستارلينك كجهاز ذكي يوجه شعاعاً ضيقاً ومركزاً باتجاه القمر الصناعي الذي يتصل به فقط، ويتجاهل تقريباً كل الإشارات التي تأتي من الزوايا الجانبية أو من مستوى الأفق حيث توجد المشوشات عادة. ولأن أقمار ستارلينك تتحرك بسرعة كبيرة جداً، فإن الشعاع الموجه من الطبق يغير زاويته باستمرار لملاحقة القمر، مما يتطلب من المشوش أن يضع نفسه في الخط المستقيم الدقيق الواصل بين الطبق والقمر ويغير مكانه بسرعة تلاحق حركة القمر في السماء، وهو أمر مستحيل عملياً للمشوشات الأرضية.

وختاماً، فإن هذا التفوق التقني لستارلينك يجعل من عملية التشويش التقليدية مكلفة اقتصادياً ومعقدة تقنياً، إذ يتطلب تعطيلها الكامل إغراق مساحات شاسعة بطاقة إلكترونية هائلة تتجاوز قدرات معظم أجهزة التشويش الحالية. ومع ذلك، هذا لا يعني أن النظام منيع تماماً؛ فقد أشارت تقارير تقنية حديثة إلى نجاح كبير لمحاولات تشويش، كما حدث في إيران التي وصلت فيها نسبة تعطيل الشبكة إلى 80%. ويُعزى هذا النجاح غالباً إلى استخدام تقنيات الملاحقة الترددية المتقدمة، حيث يقوم المشوش برصد وتحليل القنوات الفرعية والترددات المحددة التي يستخدمها جهاز الاستقبال في كل أجزاء من الثانية، ثم يوجه إشارته نحو تلك الترددات النشطة تحديداً.



مشاركة