نحو إنترنت كمومي.. الصين تبتكر شبكة اتصالات كمومية تمتد لمسافة 3700 كيلومتر بلا وسطاء

بقلم:   تامر كرم           |  Feb. 20, 2026

qcomm

يبقى اختراق شبكة الإنترنت بالتنصت على الاتصالات ممكناً، لكن الاتصالات الكمومية قادرة على اكتشاف محاولات التنصت فور حدوثها وهذا ما يميزها عن الشبكات التقليدية.

وترتكز الاتصالات الكمومية الآمنة على تقنية توزيع المفاتيح الكمومية، حيث يتمثل التحدي الأساسي في نقل مفاتيح التشفير بين طرفين يتبادلان المعلومات وليس البيانات ذاتها، إذ يقوم الطرف الأول بإرسال مفتاح سري مشفر عبر جزيئات الضوء أو الفوتونات، ليتسلمه الطرف الثاني ويتم بعدها التحقق من تطابق المفاتيح عبر قنوات الاتصال التقليدية، وأي اختلاف في هذه المفاتيح يعني حتما وجود طرف ثالث حاول اعتراض الفوتونات وتغيير حالتها الفيزيائية، فيتنبه الطرفان لعملية الاختراق قبل تبادل أي بيانات حقيقية.

هذه التقنية كانت سابقا تعتمد على محطات موثوقة وسطية تقوم بقراءة مفتاح التشفير وإعادة إرساله للطرف الآخر بسبب قصر المسافة التي يمكن للفوتونات قطعها عبر الألياف الضوئية قبل أن تتلاشى، مما استدعى استخدام محطات وسيطة أو عقد ترحيل لتقوية الإشارة وتمريرها، وهذا يزيد من ضعف التشفير لأن هناك أطرافا أخرى وسيطة تعرف مفاتيح التشفير.

للتغلب على هذه المشكلة، نجح فريق بحثي من جامعة بكين في تطوير بنية شبكية جديدة تلغي الحاجة تماما لهذه العقد الوسيطة الموثوقة، مقدما حلا عمليا نشرت تفاصيله في مجلة نيتشر العلمية، حيث تمكنوا من بناء نموذج لشبكة اتصال كمومي بمسافة إجمالية تتجاوز 3700 كيلومتر.

يعتمد الابتكار على تقنية دقيقة تسمى المشط البصري الفائق، وهي شريحة صغيرة جدا لا تتجاوز حجم ظفر الإصبع، لكنها تعمل بمثابة ضابط إيقاع متزامن للشبكة بأكملها، مولدة عشرات من خطوط الليزر فائقة الاستقرار والتردد. تقوم هذه الشريحة بحل مشكلة عدم تطابق التوقيت التي كانت تؤدي لتدهور الإشارات في المسافات الطويلة، حيث توفر قاعدة زمنية مشتركة ودقيقة للغاية لجميع الأجهزة المرتبطة بالشبكة، مما يضمن أن تتحدث جميع الأطراف بنفس الإيقاع الترددي تماما، وهو ما سمح للنظام بالتوسع والحفاظ على ترابط الإشارة دون الحاجة لمحطات تقوية تقليدية تخلق ثغرات أمنية.

تطبيقا لهذه التقنية، قام الباحثون بتزويد 20 مستخدماً بشرائح إرسال كمومية مستقلة ومصنعة بتقنيات أشباه الموصلات الناضجة والمتوفرة صناعيا، حيث تعمل هذه الشرائح في أزواج تستقبل إشارات التوقيت من المشط البصري المركزي لترميز المعلومات على الفوتونات وإرسالها عبر كابلات الألياف الضوئية. وقد أثبتت التجارب العملية نجاح هذا النموذج، حيث تمكن كل زوج من المستخدمين من التواصل بفعالية عبر مسافة 370 كيلومترا، لتشكل الشبكة مجتمعة مسافة اتصال كلية تصل إلى 3700 كيلومتر، مع معدل نجاح تشغيلي للمعدلات الضوئية بلغ 97.5%، مما يؤكد إمكانية دمج هذه التقنية مع البنية التحتية الحالية للألياف الضوئية وتقليل الحاجة لتمديدات خاصة ومكلفة.

رغم هذا الإنجاز، لا يزال الطريق طويلا قبل وصول هذه التقنية إلى الاستخدام التجاري، فالنظام الحالي يعمل ضمن ظروف مختبرية دقيقة تتطلب عزلاً للاهتزازات واستقراراً في درجات الحرارة، وهي شروط يصعب توفيرها حاليا خارج البيئات البحثية.



مشاركة