بعد 80 عام من الحرب العالمية.. كلود وأسترا يفكان تشفير رسائل إنيجما ألمانية لم تُقرأ من قبل
خلال الحرب العالمية الثانية، استخدمت ألمانيا آلة إنيجما (Enigma) لتشفير اتصالاتها العسكرية. اعتمدت هذه الآلة على إعدادات ميكانيكية معقدة (مثل ترتيب الدوارات وتوصيلات لوحة القابس) تتغير مع كل حرف يُكتب. لفك تشفير أي رسالة، كان يجب على الطرف المتلقي أن يمتلك نفس الإعدادات الدقيقة التي استُخدمت لحظة التشفير، إذ أن الآلة مصممة لتعمل في الاتجاهين (التشفير وفك التشفير).
تكمن الصعوبة الكبرى في إيجاد الإعدادات الصحيحة من بين ملايين الاحتمالات. وفي سبتمبر 2026، استخدم الباحث كارتر ليفن نموذج الذكاء الاصطناعي (GPT-6 Astra) لفك شفرة الرسالة الألمانية رقم 172 (ذات المؤشر MVUEH)، والتي أُرسلت في 10 يوليو 1941 وبقيت دون حل لعقود. اعتمد النموذج على مقارنة هذه الرسالة المجهولة برسالة أخرى محلولة من نفس اليوم، واستنتج بذكاء أن اسم المكان ROSENOW لابد أن يكون موجوداً في الرسالة المجهولة أيضاً. استخدم النموذج هذه الكلمة كـقرينة (نقطة انطلاق معروفة)، وبنى محاكياً لآلة إنيغما ليختبر الإعدادات؛ فكان يستبعد أي إعداد لا يُنتج هذه الكلمة، حتى وصل إلى الإعداد الصحيح وفك الرسالة كاملة.
بعد ذلك بستة أيام تقريباً، وتحديداً في 20 سبتمبر 2026، استخدم الباحث جاك ويليس نموذج ذكاء اصطناعي آخر وهو (Claude Opus 5) لفك رسالة ثانية: الرسالة رقم 285 (ذات المؤشر FMNGI)، المؤرخة في 31 يوليو 1941. هذه المحاولة كانت موجهة ومساعدة بشرياً بشكل أكبر؛ حيث زوّد الباحث النموذج بأدوات تحليل تشفيري جاهزة، وأعطاه قرينة قوية جداً عبارة عن توقيع الضابط الألماني فريدريش هارتينشتاين بصيغة XHARTJENSTEINX. قام النموذج بتطبيق نفس المنطق: البحث السريع عن الإعدادات التي تحول النص المشفر إلى هذا التوقيع واستبعاد الباقي، ونجح في فك الشفرة في غضون 13 دقيقة تقريباً.
هذا المنطق المتبع (تخمين كلمة في النص واستبعاد الإعدادات التي لا تتطابق معها) هو بالضبط نفس الطريقة التاريخية التي ابتكرها عالم الرياضيات آلان تورينغ خلال الحرب العالمية الثانية لكسر إنيغما. ورغم أن الفكرة الأساسية معروفة منذ عقود، إلا أن هذه الرسائل بقيت دون حل طوال هذه المدة لسببين: الأول هو صعوبة تخمين القرينة (الكلمة المفتاحية) المناسبة والصحيحة تماماً لرسائل معزولة تاريخياً، والثاني هو أن هذه العملية تتطلب جهداً ووقتاً حاسوبياً هائلاً للتحقق من النتائج. ما قدمه الذكاء الاصطناعي هو أتمتة عملية التحقق واختبار ملايين الاحتمالات في وقت قياسي دون الحاجة لتدخل بشري مستمر.
في الختام، يكمن الاختلاف الأساسي بين الطريقتين في مدى استقلالية الذكاء الاصطناعي. نموذج (GPT-6 Astra) مع الباحث كارتر ليفن كان مستقلاً تماماً؛ حيث استنتج الكلمة المفتاحية (ROSENOW) بنفسه من السياق وبنى أدوات البحث الخاصة به من الصفر. في المقابل، كان نموذج (Claude Opus 5) مع الباحث جاك ويليس بمثابة مُنفّذ فائق السرعة؛ حيث اعتمد على أدوات جاهزة وكلمة مفتاحية قوية (توقيع الضابط) قدمها له الباحث البشري مسبقاً للوصول إلى الحل.