حقق باحثون من جامعة شيديان الصينية قفزة نوعية في هندسة الاتصالات والمواد المتقدمة، عبر تطوير سطح كهرومغناطيسي ذكي قابل لإعادة التشكيل (RIS).
يتجاوز هذا الابتكار دور الأسطح التقليدية التي تكتفي بعزل أو عكس الموجات الكهرومغناطيسية، ليتحول إلى نظام ذكي متكامل يجمع بين المكونات المادية والتحكم البرمجي. مادياً، يتكون السطح من مصفوفة تضم آلاف وحدات الخلايا (Unit Cells) المرتبة بانتظام على مادة ثنائية الأبعاد، وتحتوي كل وحدة منها على عناصر إلكترونية دقيقة قابلة للضبط، مثل الثنائيات (PIN diodes) أو المكثفات المتغيرة.
تعمل هذه العناصر بمثابة مفاتيح تحكم مجهرية تتيح للنظام تغيير استجابته للموجات الكهرومغناطيسية في أجزاء من الثانية، مما يمنحه القدرة على التحكم في طور وسعة الموجات بدقة متناهية، بدلاً من مجرد عكسها بشكل عشوائي كما تفعل الأسطح المعدنية التقليدية.
تُدار هذه البنية الهندسية المعقدة بواسطة نظام تحكم يعتمد على خوارزميات "التعلم العميق المعزز متعدد العوامل"، وهو شكل متقدم من الذكاء الاصطناعي يقوم بمراقبة البيئة الكهرومغناطيسية بشكل مستمر. عندما تصطدم الموجات المحيطة بالسطح، سواء كانت إشارات اتصالات أو موجات رادار، يقوم النظام بمعالجة مزدوجة ومتقدمة للإشارة؛ حيث يوجه جزءاً من الطاقة الممتصة إلى شبكة مقوّمات خلفية تحول طاقة الترددات الراديوية إلى تيار كهربائي مستمر لتغذية السطح ذاتياً أو شحن الأجهزة المتصلة به.
في الوقت ذاته، يتم التعامل مع الجزء المتبقي من الموجة عبر تعديل شكل الحزمة (Beamforming) لإعادة إرسالها نحو هدف محدد بدقة عالية، أو تشتيتها لتقليل الانعكاسات غير المرغوبة.
تبرز أهمية هذه التقنية بشكل استثنائي في مجال "إنترنت الأشياء الروبوتية" (IoRT)، حيث تواجه شبكات الروبوتات تحديات كبرى تتعلق بنفاد الطاقة، وتأخر استجابة الاتصال، ومحدودية النطاق الترددي في بيئات العمل المعقدة مثل المستودعات المكتظة، أو مناطق الكوارث، أو المصانع المؤتمتة. يقدم السطح الذكي حلاً لهذه المعضلات من خلال العمل كمنصة دعم لوجستي لاسلكي؛ فبدلاً من أن يتحرك الروبوت بشكل عشوائي، يتم التحسين المشترك لمسار الروبوت وزاوية انعكاس الموجات من السطح. يعني هذا أن الروبوت ينسق حركته مع السطح الذكي لضمان تواجده دائماً في أفضل نقطة تغطية ممكنة، مما يسمح للسطح بتوجيه حزم طاقة مركزة نحو الروبوت لشحنه لاسلكياً أثناء العمل (حصاد الطاقة)، بالإضافة إلى تأمين قنوات اتصال فائقة السرعة تتيح للروبوت إرسال بيانات الاستشعار الضخمة إلى السحابة لمعالجتها وإعادتها بسرعة، مما يرفع دقة الروبوت في استشعار الأهداف وتخطيط المسارات دون استنزاف بطاريته.
تنتقل فائدة هذه التقنية من المصانع إلى ساحات المعارك عبر تطبيقات "التخفي الكهرومغناطيسي التعاوني" للطائرات الشبحية والمسيرات. في هذا السيناريو، تستفيد الطائرة من موجات رادار العدو المسلطة عليها بدلاً من الخوف منها؛ حيث يمتص السطح الذكي طاقة هذه الموجات ويحولها لكهرباء تشغل أنظمة الطائرة الداخلية، وفي الوقت ذاته يقوم بتعديل الموجات المنعكسة المتبقية بحيث تظهر كضوضاء طبيعية أو يتم توجيهها بعيداً عن مستقبلات العدو. هذه الآلية تحول الطائرة إلى جسم طفيلي يستمد طاقته من التهديد المحيط به، مما يقلل بشكل كبير من المقطع الراداري (RCS) للطائرة ويصعب اكتشافها، مع توفير مصدر طاقة مستدام للعمليات الطويلة.
ومع استمرار نضوج هذه التكنولوجيا، يُتوقع أن تشكل العمود الفقري لشبكات الجيل السادس (6G) والمدن الذكية، حيث ستتحول جدران المباني وواجهات المركبات إلى أسطح ذكية تضمن اتصالاً لا ينقطع وتوفر الطاقة للأجهزة الصغيرة، مما يلغي المناطق الميتة (Dead Zones) ويقلل الاعتماد على البنية التحتية المكلفة ومصادر الطاقة التقليدية، فاتحةً بذلك آفاقاً جديدة لعصر تكون فيه البيئة المحيطة مصدراً للمعلومات والطاقة في آن واحد.
نٌشرت الدراسة هنا.