صرح رئيس شركة إنفيديا جنسن هوانغ منذ فترة بأن أمريكا تسبق الصين بالذكاء الاصطناعي بفارق زمني يبلغ نانوثانية واحدة فقط، ليعقبه ديميس هاسابيس رئيس جوجل ديبمايند DeepMind بتصريح يشير إلى تفوق أمريكي بفارق ستة أشهر.
عند النظر بعمق في تفاصيل هذا السباق المحتدم، نجد أن المشهد أكثر تعقيدا من مجرد إعلان فائز مطلق، فالمنافسة لم تعد تجري في مضمار واحد، بل انقسمت إلى فروع ومجالات تتبادل فيها القوتان مراكز الصدارة.
في مجال الروبوتات البشرية والذكاء الاصطناعي الفيزيائي، تتفوق الصين بوضوح لا لبس فيه. يتجلى هذا التفوق في القدرات الحركية والأداء الميكانيكي المذهل للروبوتات، وسرعة التصنيع وخفض التكاليف التي تقودها شركات صينية مثل يوني تري ويوبيتك . فرغم محاولات الشركات الغربية مثل بوسطن داينامكس وتسلا وفيجر إيه آي Figure AI للمنافسة عبر دمج نماذج الرؤية واللغة الكبيرة لتطوير العقل المعرفي للروبوت، تبقى البراعة الصينية في هندسة الجسد الروبوتي وتطوير نماذج ذكية تقوده ببراعة ونشره في المصانع على نطاق واسع حقيقة واقعة لا يمكن إنكارها.
أما في قطاع الشرائح الإلكترونية والعتاد الصلب، فما زالت الولايات المتحدة تحافظ على تفوقها في تصميم شرائح فائقة الكفاءة والقوة عبر عمالقة مثل إنفيديا وإيه إم دي AMD. غير أن النظرة التحليلية الدقيقة تكشف أن هذا التفوق ليس أمريكيا خالصا بأي حال من الأحوال. فهذه الصناعة تعتمد على سلسلة توريد عالمية معقدة، تبدأ من آلات الحفر الهولندية إي إس إم إل ASML، مرورا بتصاميم المعمارية البريطانية آرم ARM، وصولا إلى مصانع تي إس إم سي TSMC في تايوان التي تتولى عملية التصنيع الفعلي، مما يجعل الهيمنة الأمريكية في هذا القطاع مشروطة بتحالفات دولية واسعة لا تستطيع واشنطن الاستغناء عنها ولا تستطيع الصين اليوم الحصول عليها.
وبالانتقال إلى ساحة نماذج اللغة الكبيرة وتوليد الفيديو والصوت، نجد أنفسنا أمام حالة من التنافس الحاد الذي يمنع الجزم بأفضلية طرف على آخر. فالجميع يقف اليوم في نفس المكان تقريبا، فقد تتصدر إحدى الشركات المشهد لأسابيع معدودة، لتفاجئنا شركة أخرى بنموذج يتفوق عليها. فعلى سبيل المثال، قد يظهر نموذج لتوليد الفيديو مثل سيدنس 2.0 ليثبت تفوقه على كل ما سبقه، لكن هذا التفوق يكون مؤقتا ولا يحسم الصراع، فبعد أيام قليلة قد تطلق جوجل تحديثا لنموذجها فيو Veo أو تطلق أوبن إيه آي OpenAI نموذج سورا Sora لتستعيد الصدارة من جديد.
هذا التبادل المستمر للأدوار يؤكد أن الذكاء الاصطناعي ليس سباقا له خط نهاية واضح، بل هو ماراثون تقني مفتوح. كل دولة تمتلك نقاط قوة تجعلها رائدة في زاوية معينة، وهذا يدل على أن المستقبل لن يكون حكرا على قطب واحد، بل سيتشكل من خلال هذا التدافع المستمر بين القوة الحوسبية الأمريكية والكفاءة التصنيعية والتطبيقية الصينية.