تخيّل أن تمد يدك للإمساك بكوب من القهوة دون الحاجة إلى التحديق في أصابعك أو التفكير في كيفية ثني كل مفصل لتجنب إسقاط الكوب. هذه الحركة البديهية، التي يمارسها البشر بشكل طبيعي، كانت حلماً بعيد المنال لمستخدمي الأطراف الاصطناعية، إلا أن تقنية طبية جديدة حولت هذا الحلم إلى حقيقة.
يتمثل الابتكار الجديد في يد اصطناعية عُدّلت وعُزّزت بتقنيات الذكاء الاصطناعي، بحيث لا تكتفي بتنفيذ الأوامر فحسب، بل "تشعر" بالأشياء قبل لمسها، وتتخذ قرارات لحظية للمساعدة في الإمساك بها بثبات ودقة متناهية.
تعتمد هذه اليد على دمج نوعين متطورين من المستشعرات في أطراف الأصابع: مستشعرات الضغط (لقياس قوة القبضة) ومستشعرات القرب البصرية (Proximity Sensors). تعمل مستشعرات القرب بمثابة "رادار" دقيق للغاية؛ إذ تكتشف وجود الأجسام وتحدد المسافة الفاصلة بينها وبين اليد حتى قبل التلامس المباشر. وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي، حيث دُرّب نموذج ذكي على قراءة هذه البيانات. فعندما يقترب المستخدم من جسم ما، تدرك اليد مكانه وشكله، وتقوم الأصابع تلقائيًا بتعديل وضعيتها وزاوية انحنائها لتشكيل القبضة المثالية، تماماً كما تفعل اليد البشرية بشكل لا إرادي.
في الأطراف الاصطناعية التقليدية، يقع العبء بالكامل على المستخدم الذي يتوجب عليه التركيز بشدة لتوجيه اليد. أما في هذا النظام الجديد، فقد قُسّمت الأدوار بذكاء:
- دور المستخدم: يكتفي بإبداء النية العامة أو الأمر الرئيسي (مثل الرغبة في التقاط الكوب) عبر إشارات عضلية بسيطة.
- دور اليد (الذكاء الاصطناعي): تتولى اليد التفاصيل الدقيقة؛ فهي تحدد متى تغلق الأصابع، وكيف تحيط بالجسم، ومقدار القوة اللازمة لرفعه دون كسره أو إسقاطه.
والأهم من ذلك، أن النظام يتمتع بذكاء كافٍ ليعرف متى يتراجع؛ فإذا أراد المستخدم إفلات الجسم، يمنح النظام الأولوية لقرار الإنسان، مما يخلق توازناً دقيقاً يمنح المستخدم شعوراً بالسيطرة والراحة.
طُوّرت هذه التقنية في مختبر "يوتا للروبوتات العصبية" (Utah NeuroRobotics Lab) التابع لجامعة يوتا الأمريكية. وقد تمثل هدف الفريق في حل مشكلة العبء الذهني الذي يعانيه مبتورو الأطراف، والذين غالباً ما يتخلون عن أطرافهم الاصطناعية بسبب صعوبة التحكم فيها. استخدم الباحثون الذكاء الاصطناعي لمحاكاة النماذج اللاواعية في الدماغ البشري التي تتنبأ بكيفية التفاعل مع الأشياء، مما جعل اليد الاصطناعية تتصرف كجزء طبيعي من الجسم وليست مجرد أداة جامدة.
التجارب والنتائج المذهلة
أجريت الدراسة على أربعة مشاركين من ذوي حالات البتر في الذراع (بين المرفق والمعصم). طُلب منهم أداء مهام يومية دقيقة تتطلب حذرًا شديدًا، مثل نقل أشياء هشة أو التقاط أجسام صغيرة جداً. أظهرت النتائج تفوقًا ملحوظًا عند تفعيل نظام الذكاء الاصطناعي؛ حيث تمكن المشاركون من إنجاز المهام بجهد ذهني أقل بكثير، وبدقة أعلى، ودون الحاجة لتدريب طويل. لقد استطاعوا الشرب من كوب بلاستيكي هش دون سحقه، وهو تحدٍ صعب للغاية في الأطراف التقليدية.
نُشرت نتائج هذا البحث في مجلة Nature Communications بتاريخ 9 ديسمبر 2025.