صوت الشمس: لماذا نرى ضوء الشمس ولا نسمع ضجيجها الهادر؟

بقلم:   جاد طرابيشي           |  Jan. 15, 2026

sunsound

الشمس ليست مجرد كرة مضيئة صامتة، بل هي مكان صاخب وعنيف إلى أقصى الحدود. إنها أشبه بمفاعل نووي اندماجي عملاق لا يهدأ أبداً، حيث تحدث في باطنها وعلى سطحها انفجارات هائلة باستمرار، تفوق قوتها ملايين القنابل الهيدروجينية في كل ثانية. هذه العمليات العنيفة، من غليان البلازما وحركة التيارات الحملية العملاقة، تنتج طاقة هائلة تنطلق في الفضاء على شكل ضوء وحرارة، ولكنها تنتج أيضاً شيئاً آخر نتجاهله غالباً: الصوت الهادر.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: إذا كانت الشمس بهذا الصخب والعنف، فلماذا يبدو الفضاء صامتاً؟ ولماذا، ونحن على الأرض، لا يصلنا إلا الضوء والحرارة دون الصوت؟

طبيعة الصوت: سجين الوسط المادي

لفهم هذا اللغز الكوني، يجب أن نعود إلى أساسيات الفيزياء ونفهم الفرق الجوهري بين طبيعة الصوت وطبيعة الضوء.

الصوت، ببساطة، ليس شيئاً ينتقل بنفسه، بل هو عبارة عن اهتزاز ميكانيكي (موجات ضغط) يحتاج حتماً إلى وسط مادي لينقله. تخيل الصوت كلعبة الدومينو؛ لكي تسقط القطعة الأخيرة، يجب أن تدفع القطعة الأولى التي تليها، وهكذا دواليك. الجزيئات والذرات في الوسط المادي (مثل الهواء الذي نتنفسه، أو الماء في المحيطات، أو حتى المواد الصلبة كالحديد) هي قطع الدومينو التي تنقل هذا الاهتزاز من المصدر إلى آذاننا.

الشمس بالفعل تُصدر أصواتاً هائلة، وتلك الموجات الصوتية تسافر داخلها وتجعل سطحها يرتجف. لكن، بمجرد أن تصل هذه الاهتزازات إلى حافة الغلاف الجوي للشمس، تواجه عقبة الفضاء الخارجي.

الفضاء الشاسع بين الأرض والشمس هو فراغ شبه تام. فراغ لا توجد فيه جسيمات مادية متراصة (لا هواء، لا غازات بكثافة كافية) لتعمل كجسر ينقل تلك الاهتزازات الميكانيكية. بالتالي، يتلاشى الصوت عند حدود الشمس لأنه لا يجد وسطاً يحمله إلينا.

الضوء: المسافر المستقل

على النقيض تماماً من الصوت، يتمتع الضوء بطبيعة مختلفة كلياً تجعله مكتفياً بذاته. الضوء ليس اهتزازاً ميكانيكياً في وسط ما، بل هو موجات كهرومغناطيسية، أو يمكن وصفه كتيار من جسيمات عديمة الكتلة تسمى فوتونات.

هذه الفوتونات تحمل الطاقة وتنطلق بسرعة خارقة (سرعة الضوء) من الشمس. يمكن لها أن تسبح بحرية تامة عبر الفراغ الموحش للفضاء، قاطعة مسافة 150 مليون كيلومتر في حوالي 8 دقائق، لتصل إلى الأرض حاملة الدفء والنور.

نعمة الفراغ الصامت

قد ننظر إلى الفراغ بيننا وبين الشمس على أنه مجرد مساحة فارغة، لكنه في الحقيقة درع واقٍ عظيم. لو افترضنا جدلاً أن الفضاء بين الأرض والشمس كان مليئاً بالهواء (وسط ناقل للصوت)، فإن حياتنا على الأرض كانت لتكون جحيماً لا يُطاق.

لقد حسب العلماء أنه لو كان الصوت ينتقل من الشمس إلينا، فإن شدة الضجيج الذي سيصل إلى الأرض ستبلغ حوالي 100 ديسيبل (dB). هذا يعادل تقريباً الوقوف بجانب قطار سريع يمر مسرعاً، أو صوت منشار كهربائي يعمل باستمرار، أو التواجد في حفل موسيقى الروك الصاخب جداً، ليس للحظة، بل على مدار 24 ساعة يومياً دون توقف!

لو وصل هذا الصوت، لما نعمنا بالهدوء لحظة واحدة، ولأصبحت الحياة المعقدة كما نعرفها، والتي تعتمد على السمع والتواصل، شبه مستحيلة.

لذلك، في المرة القادمة التي تستمتع فيها بدفء الشمس الهادئ، تذكر أنك تنظر إلى وحش كوني يزأر بصوت يصم الآذان، لكنك محمي بفضل فيزياء الفراغ التي تفصلنا عن هذا الضجيج الهادر.



مشاركة