تاريخياً، صُممت الصواريخ الباليستية لتضرب أهدافاً ثابتة ومعروفة الإحداثيات مسبقاً، مثل المطارات والقواعد العسكرية والمدن، حيث ينطلق الصاروخ في مسار قوسي محدد سلفاً تحكمه قوانين الفيزياء والجاذبية، مما يجعل تعديل مساره بعد الإطلاق أمراً معقداً للغاية.
ولأن السفن الحربية أهداف متحركة، اعتمدت الدول على صواريخ كروز الجوالة لاستهدافها نظراً لقدرتها على تغيير مسارها لحظياً. أما استخدام صاروخ باليستي تقليدي لهذا الغرض فكان يعد ضرباً من المستحيل، إذ سيصل الصاروخ إلى موقع السفينة بعد دقائق ليكون الهدف قد غادر مكانه. من هنا برزت الحاجة لتطوير فئة نوعية تسمى الصواريخ الباليستية المضادة للسفن ASBM، وهي تكنولوجيا معقدة تدمج بين القوة التدميرية الهائلة للصاروخ الباليستي وبين دقة التوجيه الذكي، وهي حكر على عدد قليل جداً من الدول.
الصين: أول من صنعها
تعتبر الصين الدولة الرائدة عالمياً في هذا المجال، حيث صممت فئة أطلقت عليها قاتلة الحاملات لتهديد حاملات الطائرات الأمريكية قرب سواحلها. وأبرز صواريخها في هذا المجال:
- صاروخ DF-21D: هو أول صاروخ باليستي مخصص لضرب السفن في العالم، يصل مداه إلى ما يقارب 1500 كيلومتر، وينقض على الهدف بسرعة تفوق 10 ماخ أي عشرة أضعاف سرعة الصوت، وهو مزود برأس حربي مناور يعتمد على الرادار لتعديل مساره في اللحظات الأخيرة.
- الصاروخ الأحدث DF-26: الملقب بـ قاتل غوام، يتميز بمدى استراتيجي يصل إلى 4000 كيلومتر، مما يسمح له بضرب أهداف بحرية متحركة بعيداً في المحيط الهادئ، وهو قادر على حمل رؤوس تقليدية أو نووية، ويعتمد على توجيه راداري نشط في مرحلة الهبوط لضمان دقة الإصابة.
إيران: ثاني دولة في تطويرها
ركزت إيران على هذه الصواريخ بمديات أقصر من الصين لكن بكثافة نيرانية عالية، ومن أبرز ما طورت:
- صاروخ خليج فارس: يعد أبرز منتجاتها، وهو صاروخ باليستي يعمل بالوقود الصلب بمدى 300 كيلومتر وسرعة ارتطام تقارب 3 ماخ، ويتميز عن الصواريخ التقليدية بوجود باحث بصري أو كهروضوئي في مقدمته يسمح له برؤية السفينة واستهدافها بدقة.
- صاروخا هرمز-1 وهرمز-2: يعملان بنفس المدى ولكن بتقنيات توجيه مختلفة، حيث يختص أحدهما بتتبع الإشعاع الراداري للسفن لضرب رادارات الدفاع الجوي، بينما يستخدم الآخر الرادار النشط لضرب هيكل السفينة.
- صاروخ ذو الفقار بصير: وسعت طهران عبره مداها العملياتي، إذ ضاعف مدى الاستهداف البحري ليصل إلى 700 كيلومتر، معززاً برأس حربي بصري منفصل.
اليمن: ساحة الاختبار القتالي الأولى
شهد اليمن أول استخدام قتالي حقيقي وموثق في التاريخ للصواريخ الباليستية ضد سفن متحركة، حيث استخدمت قوات الحوثيين صواريخ أبرزها:
- صاروخ عاصف: يعتقد أنه نسخة معدلة من الصواريخ الإيرانية، بمدى يقدر بين 400 إلى 500 كيلومتر ورأس حربي يزن حوالي 500 كيلوغرام، ومزود بباحث كهروضوئي لتوجيه الضربة النهائية.
- صاروخ تنكيل: المشابه لصاروخ رعد-500 الإيراني، ويتميز بمدى وفعالية أكبر.
لاعبون آخرون: روسيا وكوريا الشمالية
لا تقتصر هذه التكنولوجيا على الصين وإيران، فقد دخلت روسيا المجال من زاوية مختلفة عبر صاروخ كينجال Kh-47M2، وهو صاروخ باليستي يُطلق من الجو وليس من منصات أرضية، مما يمنحه مدى يصل إلى 2000 كيلومتر وسرعة تصل إلى 10 ماخ، وهو مصمم لضرب أهداف استراتيجية بما في ذلك حاملات الطائرات، معتمداً على قدرة عالية على المناورة لتجاوز الدفاعات.
كوريا الشمالية تسعى أيضاً للحاق بالركب عبر اختبارات لصواريخ مثل KN-18، وهو نسخة معدلة من صواريخ سكود مزودة برأس حربي مناور مخصص لضرب القواعد البحرية والسفن، في محاولة لتعزيز ردعها الإقليمي ضد الأساطيل الأمريكية والكورية الجنوبية.