لضمان عمل الأجهزة الإلكترونية الدقيقة بكفاءة في عالمنا المعاصر، بات من الضروري حمايتها من الضباب الكهرومغناطيسي الكثيف الناتج عن إشارات شبكات الجيل الخامس (5G) والواي فاي (Wi-Fi) المنتشرة في كل مكان، والتي تسبب تداخلات وتشويشاً يعيق أداء هذه الأجهزة.
ولطالما واجه المهندسون معضلة تقنية تمثلت في المفاضلة الصعبة بين الحماية والشفافية؛ فالوسائل التقليدية المستخدمة للحجب تعتمد على صفائح معدنية توفر موصلية عالية وحماية ممتازة، إلا أنها مواد ثقيلة، صلبة، وغير شفافة، مما يجعلها غير صالحة للاستخدام في التطبيقات الحديثة التي تتطلب خفة ومرونة ونفاذية للضوء، مثل الشاشات القابلة للطي أو العدسات الذكية.
وفي إنجاز علمي يكسر هذه القاعدة، نجح فريق من الباحثين في جامعة غلاسكو البريطانية في ابتكار حل جذري يتمثل في تطوير مادة جديدة شفافة، رقيقة للغاية، وخفيفة الوزن، تتمتع بمرونة عالية وقدرة فائقة على الحجب.
يعتمد هذا الابتكار بشكل أساسي على استخدام "أسلاك الفضة النانوية" التي تعد أنحف بآلاف المرات من شعرة الإنسان، حيث تمكن الباحثون من توظيف هذه المادة لتحقيق معادلة تجمع بين التوصيل الكهربائي الممتاز والنفاذية البصرية العالية، متجاوزين بذلك عيوب المواد التقليدية المعتمة والشبكات النانوية العشوائية السابقة التي كانت تفشل في توفير حماية قوية.
يكمن جوهر هذا الابتكار في الهندسة الدقيقة لطريقة تصنيع الغشاء؛ فبدلاً من السماح للأسلاك النانوية بالتراكم العشوائي على السطح (كما في طريقة الإسقاط الحر)، استخدم الفريق تقنية متطورة تسمى "الرحلان الكهربائي العازل البيني" (interfacial dielectrophoresis - i-DEP). تتيح هذه التقنية تطبيق مجالات كهربائية موجهة تسحب الأسلاك النانوية وتجبرها على الاصطفاف بنسق منتظم ومحاذٍ بدقة عالية وزوايا محددة على غشاء بوليمر مرن، مما يخلق شبكة منظمة تحتوي على فجوات نانوية مدروسة تلعب دوراً حاسماً في تعزيز الأداء عبر ما يعرف بـ "الترابط السعوِي" الذي يشتت طاقة الإشارات الدخيلة.
ولتعظيم كفاءة هذه الشبكة، أتبع الباحثون عملية المحاذاة بمعالجة متقدمة باستخدام "ليزر البيكوسيكند" (picosecond laser) فائق السرعة. قام هذا الليزر بمهام متعددة في آن واحد؛ إذ عمل على لحام نقاط التقاطع بين الأسلاك النانوية لتعزيز الترابط الكهربائي، وفي الوقت نفسه قام بإزالة الطبقة العازلة (PVP) التي تغلف الأسلاك عادة. وقد أدى هذا الدمج بين المحاذاة الكهربائية والمعالجة بالليزر إلى نتائج غير مسبوقة؛ حيث انخفضت مقاومة الصفائح بمقدار 46 مرة مما حسن التوصيل الكهربائي بشكل هائل، وتزامناً مع ذلك، تحسنت الشفافية ونفاذية الضوء بنسبة 10% لتصل إلى حوالي 83% نتيجة تنظيف أسطح الأسلاك.
ترجمت هذه الخصائص الفيزيائية إلى أرقام أداء مذهلة؛ فقد أثبت الغشاء الجديد، الذي لا تتجاوز سماكته 5.1 ميكرومتر، كفاءة عالية في حجب التداخل الكهرومغناطيسي بلغت 35 ديسيبل ضمن نطاق ترددات 2.2 إلى 6 جيجاهرتز، وهو ما يعني منع أكثر من 99% من الموجات الدخيلة.
وقد وجد الباحثون أن هذه النسبة تمثل تحسناً يتجاوز 1000 ضعف مقارنة بالشبكات العشوائية التقليدية. علاوة على ذلك، حافظ الغشاء على مرونته الميكانيكية، حيث يمكن ثنيه بنصف قطر 2 مليمتر لآلاف المرات دون أن يفقد خصائصه الوقائية.
وخلاصةً لهذه النتائج التي نشرها فريق جامعة غلاسكو، فإن هذا الابتكار يمهد الطريق لجيل جديد من الإلكترونيات اللاسلكية التي كانت تعتبر خيالاً علمياً في السابق. فبفضل إمكانية تصنيع هذه الأغشية بمقاسات كبيرة (وصلت في التجارب إلى 40×80 سم)، أصبح بالإمكان إنتاج أجهزة طبية قابلة للزرع، وجلود إلكترونية لمراقبة الصحة، وعدسات لاصقة ذكية، وشاشات مرنة، تعمل جميعها بنقاء إشارة عالٍ ومأمن تام من الضوضاء المحيطة، دون الحاجة إلى دروع معدنية ضخمة تحجب الرؤية أو تعيق الحركة.