نجحت شركة الطاقة النووية الحكومية الروسية، روساتوم، من خلال قسم الهندسة الميكانيكية التابع لها، في ابتكار نوع جديد من الفولاذ الأوستنيتي فائق القوة والمقاوم للحرارة العالية التي تصل إلى 600 درجة مئوية، والذي صُنع خصيصاً ليتحمل الظروف القاسية في الجيل الرابع من المفاعلات النووية المستقبلية.
هذا الابتكار أساسي لتشغيل مفاعلات النيوترونات السريعة القادمة، مثل مفاعل BR-1200 ونموذجه الأولي BREST-OD-300 الجاري بناؤه في مدينة سيفرسك، والتي تعتبر حجر الأساس لمشروع "الاختراق" الروسي الهادف إلى تطبيق دورة وقود نووي مغلقة وإنتاج طاقة أكثر كفاءة واستدامة.
وتعمل هذه المفاعلات بتقنية تبريد مختلفة تماماً ودرجات حرارة أعلى بكثير مقارنة بمفاعلات الجيل الثالث الحالية (مثل مفاعلات "VVER" التي تتراوح حرارتها عادة بين 320 و350 درجة مئوية). ففي مفاعلات الجيل الرابع، يُعتمد على تمرير معدن سائل ثقيل، وتحديداً الرصاص السائل، كوسط مبرد أساسي. تبدأ الآلية بضخ الرصاص السائل ليدخل مباشرة إلى قلب المفاعل، حيث يتخلل قضبان الوقود ويمتص الحرارة الهائلة الناتجة عن التفاعل النووي، مما يرفع درجة حرارته إلى مستويات هائلة تتراوح بين 500 و600 درجة مئوية. بعد ذلك، يخرج هذا الرصاص شديد الحرارة من قلب المفاعل ليتدفق عبر شبكة من الأنابيب والمعدات—المصنوعة من هذا الفولاذ المبتكر—ضمن الدائرة الأولية، لينقل هذه الطاقة الحرارية إلى مبادل حراري يقوم بدوره بتسخين الماء وتحويله إلى بخار لتوليد الكهرباء.
هذا التغير الجذري في تقنية التبريد والارتفاع الكبير في درجات الحرارة يخلق بيئة تشغيلية شديدة القسوة؛ فالرصاص السائل في هذه الدرجات المرتفعة، وأثناء تدفقه السريع داخل الدائرة الأولية وأنابيبها، يسبب تآكلاً شديداً وضغوطاً إشعاعية وحرارية لا يمكن للمواد التقليدية تحملها. ومن هنا جاءت الحاجة الماسة لهذا الفولاذ الجديد، الذي يتميز بقدرة استثنائية على توفير استقرار حراري ومقاومة فائقة للتآكل والإشعاع عند التلامس المباشر والمستمر مع المبرد المعدني السائل.
وقد توصل الخبراء إلى هذا الإنجاز الهندسي عبر دمج النمذجة الحاسوبية المتقدمة مع خبراتهم الطويلة في ابتكار مواد تتناسب مع أنظمة تبريد المعادن السائلة الثقيلة. وبذلك، يتفوق هذا الابتكار على الفولاذ المرجعي المستخدم حالياً، ويضمن قوة ومتانة طويلة المدى للمعدات الحيوية والأنابيب في هياكل المحطات النووية.