قد يصبح الكشف عن السرطان سهلاً وبسيطاً يقوم به أي شخص في المنزل، تماماً مثل فحص نسبة السكر في الدم لمرضى السكري. فقد طوّر باحثون في "جامعة ويستليك" الصينية جهازاً محمولاً لفحص السرطان قادراً على اكتشاف المؤشرات الحيوية للمرض في مراحله المبكرة من خلال قطرة دم واحدة فقط.
يُغني هذا الجهاز المحمول عن المعدات المخبرية الحالية التي يقارب حجمها حجم الثلاجة، كما أن دقته أعلى في الكشف؛ فقد تمكن الفريق من زيادة القدرة على الكشف إلى حوالي 10 آلاف ضعف مقارنة بالطرق التقليدية، أي أنه يكشف السرطان حتى لو كان تركيز المؤشرات الحيوية لوجوده أقل بـ 10 آلاف مرة مما تتطلبه الأجهزة التقليدية.
يتكون الجهاز المحمول بشكل أساسي من ثلاثة أجزاء تقنية مدمجة: شريحة استشعار نانوية ثلاثية الأبعاد مصنوعة من الألمنيوم بتصميم هندسي فائق الدقة، ومصدر ضوء قياسي بسيط (مصباح LED)، وكاشف ضوئي دقيق مهمته قراءة الإشارات الضوئية. تعمل هذه المكونات معاً لتغني عن أجهزة الليزر والمطيافات الضخمة والمعقدة التي تُستخدم اليوم في المختبرات المركزية.
يبدأ سيناريو العمل الفعلي عندما تُوضع قطرة صغيرة من عينة دم المريض مباشرة على سطح شريحة الاستشعار النانوية. في تلك اللحظة، إذا كان الدم يحتوي على "مؤشرات حيوية للسرطان" (مثل الحويصلات الدقيقة التي تفرزها الأورام في بدايتها)، فإن هذه الجزيئات تنجذب وتلتصق فوراً بالسطح النانوي للشريحة. هذا الالتصاق الدقيق يُحدث تغييراً فيزيائياً متناهي الصغر في "معامل الانكسار" الخاص بالمواد الموجودة على الشريحة، أي أنه يغير الطريقة التي يتصرف بها السطح عندما يسقط عليه الضوء.
عندما يسلط مصباح الـ (LED) ضوءه على الشريحة، تقوم البنية الهندسية ثلاثية الأبعاد للشريحة بالتقاط هذا التغير الطفيف جداً في الانكسار وتضخمه بشكل هائل، ليتحول إلى اختلاف واضح في "شدة الضوء" المنعكس. هنا يتدخل الكاشف الضوئي ليلتقط هذا التغير في شدة الضوء بدقة فائقة، ويقوم النظام بترجمة هذه الإشارة الضوئية فوراً إلى قراءة رقمية واضحة، مما يؤكد وجود أو غياب المؤشرات السرطانية خلال دقائق معدودة.
خلال التجارب العملية التي شملت تقييم عينات مصل من 171 مريضاً، أثبت الجهاز المحمول أنه أكثر حساسية بحوالي 10,000 مرة من الاختبار المخبري القياسي (ELISA) في اكتشاف المؤشرات الحيوية لسرطان الرئة في مراحله المبكرة. وقد تُرجمت هذه الحساسية الفائقة إلى نتائج سريرية مبهرة؛ حيث حققت هذه الأداة التي بحجم الجيب نسبة دقة بلغت 94.9% في الكشف المبكر عن السرطان، متفوقة بشكل ملحوظ على الطرق المخبرية القياسية التي حققت دقة بنسبة 74.7% فقط. إلى جانب ذلك، أثبت الجهاز كفاءته العالية في المتابعة الطبية اللاحقة محققاً دقة بنسبة 92.1% في مراقبة المرضى بعد العمليات الجراحية، وهو جانب لم تتوفر له بيانات دقيقة ضمن التقييم الخاص بالطرق التقليدية.
وعند انتقاله إلى التطبيق العملي، يمكن استخدامه من قِبل طبيب في مستشفى، أو عامل صحي في قرية ريفية معزولة، أو مريض يجري اختباراً ذاتياً على طاولة المطبخ، وهو ما يسهل عمليات الكشف المبكر والدقيق ويجعله متاحاً للجميع بشكل فوري.
نُشرت هذه النتائج في مجلة Nature Photonics.