تستعد شركة سيتي لابز (City Labs) الأمريكية لإطلاق أول قمر صناعي تجاري في العالم يعتمد على الطاقة النووية في الفضاء. وقد أعلنت الشركة أن قمرها الصناعي المصغر BOHR (القمر المداري البيتافولتائي عالي الموثوقية) قد حجز مكانه بالفعل ضمن مهمة ترانسفورتر-17 التابعة لشركة سبيس إكس والمقرر انطلاقها اليوم، ليسجل هذا الحدث خطوة تاريخية غير مسبوقة كأول قمر صناعي من فئة CubeSat يدخل المدار مستعيناً ببطارية نووية تجارية تفتح آفاقاً جديدة لاستدامة الحمولات الفضائية.
ويعتمد هذا القمر الصناعي في تشغيله على تكنولوجيا البيتافولتائية (Betavoltaics)، وهي تقنية متطورة تعتمد على تحويل طاقة الإشعاع مباشرة إلى طاقة كهربائية بطريقة تشبه آلية عمل الألواح الشمسية ولكن باستخدام الجسيمات المشعة بدلاً من ضوء الشمس. وتستخدم البطارية عنصر التريتيوم، وهو نظير مشع للهيدروجين، حيث تنبعث منه جسيمات بيتا (وهي عبارة عن إلكترونات) نتيجة لعملية تحلله الطبيعي، وتقوم طبقات أشباه الموصلات المبتكرة داخل البطارية بامتصاص هذه الإلكترونات وتحويل حركتها مباشرة إلى تيار كهربائي مستمر، دون الحاجة إلى أي تفاعلات انشطار نووي أو حرارة.
ووفقاً للبيانات التقنية للشركة، فإن هذه البطارية التي تحمل اسم NanoTritium تولد كميات دقيقة ومستمرة من الطاقة الكهربائية تقع في نطاق الميكروواط إلى الميليواط، وهي طاقة فائقة الاستقرار ومثالية لتشغيل الإلكترونيات الدقيقة والحساسات لسنوات طويلة تمتد لعقود دون انقطاع. وتتميز البطارية بمستويات إشعاع منخفضة للغاية وآمنة تماماً أثناء النقل والتعامل والدمج في البيئات التجارية، وبما أنها لا تعتمد على الانشطار النووي كالمفاعلات الضخمة ولا تحتوي على إلكتروليتات سائلة كبطاريات الليثيوم، فإن خطر نشوب الحرائق أو الانفلات الحراري منعدم تماماً، كما أن التحلل الطبيعي للتريتيوم يحوله بمرور الوقت إلى غاز الهيليوم-3، وهو نظير مستقر تماماً وغير مشع.
ولا يهدف هذا النظام النووي إلى استبدال الألواح الشمسية بالكامل، بل يقوم النظام ككل على آلية هجينة ومتكاملة؛ حيث تستمر الألواح الشمسية التقليدية في تزويد الهيكل الأساسي للقمر الصناعي والعمليات الروتينية الكبرى بالطاقة، في حين تُخصص البطارية النووية لتشغيل وإدارة الحمولة الأساسية وشبكات الاستشعار بشكل مستقل تماماً. يضمن هذا التكامل استمرار عمل الأنظمة الحيوية للقمر الصناعي بكفاءة وبشكل دائم حتى عند دخوله في ظل الأرض، أو عند مروره بفوهات قمرية مظلمة، أو في حالات السفر الفضائي العميق حيث تغيب أشعة الشمس تماماً وتنتهي صلاحية البطاريات التقليدية.
وتحظى هذه المهمة بدعم واسع من وزارة الدفاع الأمريكية، ووكالة ناسا، ومختبر أبحاث القوات الجوية، وتأتي في وقت حاسم يتزامن مع برنامج أرتميس الساعي لتأسيس وجود بشري دائم على القمر، مما يرفع الطلب على مصادر طاقة مستمرة ومستقلة عن الضوء.