يعد الهيدروجين وقود المستقبل الواعد نظرا لقدرته على توفير طاقة هائلة دون انبعاثات كربونية، إلا أن التحدي الأكبر يكمن في طريقة إنتاجه. يتواجد الهيدروجين بوفرة في الماء، لكن فصله عن الأكسجين يتطلب حاليا إما استهلاك كميات هائلة من الكهرباء في عملية التحليل الكهربائي أو الاعتماد على تقنيات تستهلك حرارة وتتطلب درجات حرارة قاسية تتراوح بين 1300 و 1500 درجة مئوية، مما يجعل تطبيقها مكلفا للغاية ويستهلك طاقة ضخمة.
لتجاوز هذه العقبة، تمكن باحثون من جامعة برمنغهام بقيادة البروفيسور يولونغ دينغ وبالتعاون مع جامعة العلوم والتكنولوجيا في بكين من تطوير ابتكار جديد يعتمد على مادة محفزة تنتمي لعائلة البيروفسكايت وتتكون من عناصر متوفرة وغير سامة تشمل الباريوم والنيوبيوم والكالسيوم والحديد. تساعد هذه المادة على استخراج الهيدروجين بدرجة حرارة تتراوح بين 150 و 500 درجة مئوية، مما يمثل انخفاضا يقدر بحوالي 900 درجة مئوية مقارنة بالطرق التقليدية السابقة.
تعمل المادة المحفزة كإسفنجة كيميائية ذكية مصممة خصيصا لامتصاص ذرات الأكسجين. تبدأ العملية بتسخين الماء ليتحول إلى بخار بدرجات حرارة منخفضة نسبيا تتراوح بين 150 و 500 درجة مئوية، ثم يمرر هذا البخار فوق المحفز الصلب الذي ينتزع ذرة الأكسجين من جزيء بخار الماء بقوة كيميائية ويحتجزها داخل هيكله البلوري. وبمجرد سحب الأكسجين، تنفصل ذرات الهيدروجين وتتحرر لتشكل غازا نقيا يتم جمعه مباشرة.
بعد استمرار هذه العملية لفترة، تتشبع هذه الإسفنجة الكيميائية بالأكسجين وتفقد قدرتها على الاستيعاب، وهنا تبدأ المرحلة الثانية المتمثلة في تجديد المحفز. يتم رفع درجة الحرارة لتتراوح بين 700 و 1000 درجة مئوية، مما يجبر المادة المحفزة على طرد غاز الأكسجين المحتجز إلى الهواء والعودة إلى حالتها الأصلية النقية. وأثبتت التجارب المخبرية أن هذا المحفز يحافظ على استقراره الهيكلي وكفاءته العالية عبر دورات إنتاج متتالية تصل إلى عشر دورات دون أن ينهار، مما يؤكد جاهزيته للعمل الصناعي المستمر.
تتجلى الأهمية الكبرى لهذا الابتكار في إمكانية دمجه المباشر مع القطاعات الصناعية الحالية. فبدلا من بناء محطات ضخمة ومكلفة لتوليد حرارة شديدة، يمكن استغلال الحرارة المهدرة التي تطلقها المصانع الثقيلة كصناعات الصلب والزجاج والأسمنت. هذه المنشآت تنتج يوميا طاقة حرارية ضائعة تقع تماما ضمن النطاق المطلوب لتشغيل وتجديد هذا المحفز، مما يتيح تركيب وحدات إنتاج الهيدروجين المدمجة داخل المصانع نفسها وتحويل نفاياتها الحرارية إلى مصدر للطاقة.
يقدم هذا البحث حلا اقتصاديا وبيئيا غير مسبوق لتحديات التخزين والنقل المعقدة المرتبطة بوقود الهيدروجين، حيث يسمح بالإنتاج الموضعي الآمن بجوار مناطق الاستهلاك أو توليد الطاقة المتجددة. وتؤكد التحليلات الاقتصادية أن هذه التقنية تتفوق من حيث التكلفة على طرق الإنتاج الحالية، مما يجعلها ركيزة أساسية محتملة لتسريع انتقال الصناعات العالمية نحو مستقبل طاقة مستدام وخال تماما من الكربون.