بدأت طهران باستخدام أنظمة تشويش إلكتروني متطورة، مصممة خصيصاً لاختراق وتضليل أنظمة الملاحة الحيوية التي تعتمد عليها السفن التجارية، وناقلات النفط العملاقة، وحتى السفن العسكرية الغربية، وتحديداً نظام تحديد المواقع العالمي الأوسع انتشاراً (GPS).
عادةً ما يتم إرسال ضوضاء أو موجات راديوية قوية جداً وطاغية على نفس الترددات التي تبث عليها أقمار الـ GPS الأمريكية إشاراتها نحو الأرض، ما يؤدي إلى إعماء أجهزة الاستقبال على السفن، و يجعلها تفقد القدرة تماماً على التقاط أي إشارة صالحة، وبالتالي تظهر شاشات الملاحة خالية من أي بيانات، ويقف القبطان عاجزاً عن تحديد موقعه الجغرافي.
لكن منصات التتبع العالمية المفتوحة لمواقع السفن تشير إلى أن التشويش أكثر تقدماً، إذ صُدم المراقبون البحريون بظهور أيقونات لسفن شحن وناقلات نفط عملاقة وهي تبحر في عمق اليابسة الإيرانية، فوق مناطق جبلية وعرة أو صحاري رملية. وبعضها ظهرت وكأنها راسية في المطارات الدولية أو حتى فوق محطات طاقة نووية حساسة كمحطة بوشهر.
كما سجلت بعض السفن على هذه المنصات سرعات هائلة وغير منطقية ملاحياً، تقترب من سرعات الطائرات، وهو أمر يستحيل عملياً وفيزيائياً على أي ناقلة نفط ضخمة القيام به في المياه.
وهذا يدل على أن إيران تستخدم تشويشاً أكثر تقدماً يسمى الانتحال (Spoofing)، وفيه لا تكتفي الأجهزة الإيرانية بحجب الإشارة الحقيقية، بل تقوم بمحاكاة وانتحال هوية أقمار الـ GPS الصناعية نفسها. ترسل هذه الأنظمة الأرضية أو المحمولة بحراً إشارات وهمية قوية ومقنعة جداً، مصممة بدقة لتلتقطها أنظمة السفن وتقبلها كبيانات حقيقية. هذه الإشارات المزيفة تحمل إحداثيات جغرافية كاذبة وبيانات وقت وهمية، مما يخدع الكمبيوتر الملاحي للسفينة ويجعله يعتقد، بناءً على حساباته الرياضية، أنه يبحر بأمان في ممر مائي مفتوح، بينما هو في واقع الأمر يتبع مساراً رقمياً مرسوماً له بعناية يقوده نحو منطقة محددة.
وهكذا تصبح الحرب الإلكترونية جزءاً أساسياً من أي صراع حديث، فهي لم تعد تستهدف مقدرات الخصم العسكرية فحسب، بل تمتد لتشل كل ما يرتبط بها من تكنولوجيا حيوية وبنى تحتية مدنية وتجارية تعتمد عليها شرايين الاقتصاد العالمي.