عاجل
أهلاً بكم في موقع تكنوفيرس - مصدركم الأول لفهم التكنولوجيا وأخبارها.
أخبار

الصين تكشف عن مفاعل الاندماج النووي إتش إل-4.. أول توكاماك في العالم مصمم لإبقاء البلازما مستقرة لفترات طويلة

بقلم: جاد طرابيشي
الصين تكشف عن مفاعل الاندماج النووي إتش إل-4.. أول توكاماك في العالم مصمم لإبقاء البلازما مستقرة لفترات طويلة

أعلنت الصين خلال مؤتمر طاقة الاندماج وأسبوع الاندماج 2026 في شنغهاي عن مفاعل الاندماج النووي إتش إل-4 (Huanliu-4)، وهو مفاعل من نوع توكاماك تصفه بأنه أول منصة تجريبية في العالم مصممة للحفاظ على البلازما مستقرة ومشتعلة لفترات طويلة باستخدام مغناطيسات فائقة التوصيل تعمل بتقنية الموصلات الفائقة ذات درجات الحرارة العالية. ويستهدف المشروع تحقيق مكسب طاقة اندماجية لا يقل عن Q=5، أي إنتاج طاقة اندماجية تعادل خمسة أضعاف الطاقة المستخدمة لتسخين البلازما، مع هدف نهائي يتمثل في توليد ما بين 100 و200 ميجاواط من الكهرباء.

وتكمن أهمية إتش إل-4 في نوع المغناطيسات التي يعتمد عليها. ففي مفاعل التوكاماك تُسخن البلازما إلى درجات حرارة هائلة تجعلها غير قادرة على ملامسة جدران المفاعل، ولذلك تُحاصر داخل غرفة على شكل حلقة بواسطة مجالات مغناطيسية قوية. وكلما أصبح المجال المغناطيسي أقوى، أمكن التحكم بالبلازما وحصرها بصورة أفضل، وهو ما يساعد على الوصول إلى ظروف مناسبة لاستمرار تفاعلات الاندماج لفترات أطول.

لكن إنتاج مجال مغناطيسي قوي جداً يمثل تحدياً بحد ذاته. فالمفاعلات التقليدية تستخدم ملفات نحاسية، بينما تعتمد بعض المفاعلات المتقدمة على مغناطيسات فائقة التوصيل تحتاج إلى تبريد شديد الانخفاض للحفاظ على خصائصها. أما إتش إل-4 فيتجه إلى استخدام مغناطيسات فائقة التوصيل من نوع جديد قادرة على العمل عند درجات حرارة أعلى نسبياً، مع إنتاج مجال مغناطيسي يصل إلى 25 تسلا. وهذه هي نقطة الاختلاف الأساسية في تصميمه: الجمع بين مجال مغناطيسي بالغ القوة وموصلات فائقة يمكن تشغيلها عند درجات حرارة أعلى من الأنواع التقليدية.

وتسمح هذه التقنية بتقليل القيود التي تفرضها أنظمة التبريد شديدة التعقيد، كما أن المجال المغناطيسي الأقوى يمكن أن يتيح حصر البلازما في جهاز أصغر من الأجهزة التي تحتاج إلى مجالات أضعف لتحقيق أداء مماثل. ولهذا لا ينظر إلى مغناطيسات إتش إل-4 باعتبارها مجرد وسيلة لتحسين أداء المفاعل، بل باعتبارها تقنية يمكن أن تغير طريقة تصميم مفاعلات الاندماج نفسها، من أجهزة بحثية ضخمة إلى مفاعلات أكثر إحكاماً وقابلية للتطوير نحو إنتاج الكهرباء.

ولا يعتمد المشروع على المغناطيسات وحدها. فإتش إل-4 يدمج أيضاً تقنيات الذكاء الاصطناعي والتوأم الرقمي لمراقبة البلازما والسيطرة عليها. وتنقل المستشعرات بيانات متواصلة عن حالة البلازما والمجالات المغناطيسية ودرجات الحرارة إلى نموذج رقمي يعمل على أنظمة حوسبة فائقة السرعة، بحيث تستطيع الخوارزميات رصد التغيرات والتنبؤ بالاضطرابات قبل أن تتفاقم، ثم تعديل المجالات المغناطيسية وأنظمة التسخين للحفاظ على استقرار البلازما.

ويمثل إتش إل-4 أحدث حلقة في سلسلة هوانليو التي يطورها معهد الجنوب الغربي للفيزياء في تشنغدو منذ أكثر من أربعة عقود. وتعني كلمة هوانليو في الصينية التدفق الحلقي، في إشارة إلى الشكل الحلقي الذي تسلكه البلازما داخل مفاعل التوكاماك.

بدأت هذه السلسلة مع مفاعل إتش إل-1 الذي دخل الخدمة عام 1984 باعتباره أول توكاماك كبير تصنعه الصين محلياً. ولم يكن الهدف منه إنتاج الكهرباء، وإنما بناء الخبرة الصينية في تصميم غرف التفريغ والملفات المغناطيسية وأنظمة التحكم بالبلازما. ثم طُوّر لاحقاً إلى إتش إل-1 إم لاختبار تقنيات أكثر تقدماً لتسخين البلازما والتحكم فيها.

وجاء بعد ذلك مفاعل إتش إل-2 إيه الذي بدأ العمل عام 2002، ثم تطور إلى إتش إل-2 إم، لينقل البرنامج الصيني من مرحلة بناء الخبرة الأساسية إلى دراسة البلازما في ظروف أقرب إلى تلك المطلوبة في مفاعلات الاندماج المستقبلية. وركزت هذه المرحلة على ما يعرف بوضع الحصر العالي، وهي حالة تحتفظ فيها البلازما بالطاقة والحرارة بكفاءة أكبر، وهو ما يعد مهماً للوصول إلى تفاعل اندماج مستمر وفعال.

أما إتش إل-3، الذي يُعد أكبر توكاماك يعمل بملفات نحاسية في الصين، فقد حقق عام 2023 إنجازاً بارزاً عندما نجح في تشغيل بلازما بتيار تجاوز مليون أمبير مع الحفاظ على وضع الحصر العالي. ومثّل ذلك تقدماً مهماً في التعامل مع بلازما ذات أداء مرتفع، لكنه ظل مقيداً بطبيعة الملفات النحاسية التي تسخن أثناء التشغيل وتحتاج إلى التخلص من كميات كبيرة من الحرارة، ما يحد من إمكانية تشغيلها بصورة مستمرة.

وهنا يظهر الرابط المباشر بين إتش إل-3 وإتش إل-4. فقد استفاد التصميم الجديد من الخبرة المتراكمة في تشغيل البلازما ذات التيارات العالية، لكنه يستبدل الاعتماد على الملفات النحاسية بتقنية المغناطيسات فائقة التوصيل عالية الحرارة. والهدف هو الانتقال من مفاعل يستطيع تحقيق أداء مرتفع لفترات محدودة إلى منصة مصممة منذ البداية للعمل في ظروف أكثر استقراراً واستمرارية.

ولا يمثل إتش إل-4 المشروع الوحيد في برنامج الصين للاندماج النووي، بل يأتي ضمن مجموعة من المشاريع التي تؤدي أدواراً مختلفة في الطريق نحو إنتاج الكهرباء من الاندماج. ففي مدينة خفي يعمل مفاعل إيست، الذي يركز بصورة أساسية على إبقاء البلازما مستقرة لأطول فترة ممكنة. وقد سجل المفاعل أرقاماً قياسية في تشغيل بلازما بدرجات حرارة تقارب مئة مليون درجة مئوية، ويستخدم مغناطيسات فائقة التوصيل من النوع التقليدي ذي درجات الحرارة المنخفضة.

وفي المدينة نفسها يُبنى مفاعل بيست، الذي يمثل مرحلة أقرب إلى اختبار إنتاج الكهرباء من الاندماج. ويركز المشروع على ظروف احتراق خليط الديوتيريوم والتريتيوم، وهما نوعان من الهيدروجين يستخدمان كوقود في معظم تصاميم مفاعلات الاندماج الحالية. وفي عام 2026 اختبر المشروع أكبر مغناطيس حلقي فائق التوصيل في العالم بوزن بلغ 582 طناً، في خطوة مرتبطة بتطوير المكونات المغناطيسية اللازمة للمفاعل.

وبذلك يؤدي كل مشروع وظيفة مختلفة داخل البرنامج الصيني. فإيست يركز على إطالة زمن بقاء البلازما مستقرة، وبيست يقترب خطوة من ظروف إنتاج الطاقة، بينما يختبر إتش إل-4 فكرة مختلفة تقوم على استخدام مغناطيسات فائقة التوصيل عالية الحرارة ومجال مغناطيسي شديد القوة للوصول إلى تصميم أكثر إحكاماً ومناسباً للتشغيل المستمر.

ويستهدف التصميم النهائي لإتش إل-4 تحقيق مكسب طاقة اندماجية يبلغ خمسة أضعاف الطاقة المستخدمة لتسخين البلازما على الأقل. وإذا تحققت هذه الأهداف، فمن المخطط أن يصل إنتاجه في النهاية إلى ما بين 100 و200 ميجاواط كهربائي. ولا يعني ذلك أن المفاعل سيكون محطة تجارية جاهزة، بل إن وظيفته الأساسية هي اختبار مجموعة من التقنيات التي تحتاج إليها محطات الاندماج المستقبلية على نطاق أكبر.

ومن المقرر أن يبدأ التشغيل التجريبي الأولي للمنشأة في عام 2027، بينما يستمر تطوير واختبار أول مغناطيس فائق التوصيل عالي الحرارة بقوة 25 تسلا حتى عام 2028. ومن المتوقع أن يستكمل تطوير النموذج الكامل للمنشأة بحلول نهاية العقد الحالي، لتصبح نتائج إتش إل-4 جزءاً من الأساس التقني الذي ستبني عليه الصين أجيالها التالية من مفاعلات الاندماج.

وبهذا المعنى، لا تكمن أهمية إتش إل-4 في كونه مفاعلاً جديداً من سلسلة هوانليو فحسب، وإنما في الاختبار الذي يجريه لفكرة أساسية في مستقبل الاندماج: هل يمكن الجمع بين مغناطيسات أقوى، وموصلات فائقة قادرة على العمل عند درجات حرارة أعلى، وأنظمة تحكم ذكية، لبناء توكاماك أصغر وأكثر قدرة على إبقاء البلازما مستقرة لفترات طويلة؟ هذا هو السؤال الهندسي الذي يضعه المشروع في قلب المرحلة التالية من برنامج الصين للاندماج النووي.

مقالات مرتبطة